محمد عبد العال يكتب : هل يجب أن نستهدف ارتفاع الجنيه أم نركز على استدامة تدفقات النقد الأجنبي؟
يعمل البنك المركزي على تحقيق التوازن الأمثل بين استقرار الجنيه عبر آلية مرونة سعر الصرف من ناحية والحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات والسياحة من ناحية أخرى

كان الجنيه المصري قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته في أبريل الماضي ، حين بلغ أدنى مستوى تاريخي عند 51.73 جنيه للدولار ، بسبب خروج بعض الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة ، في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
ورغم ذلك استطاع الجنيه الصمود أمام تداعيات تلك التوترات ، وأيضاً تجاوز آثار حرب الأيام الإثنى عشر الإسرائيلية الإيرانية ، ليعود تدريجياً للتحسن ، كاسراً مستوى الخمسين جنيها نزولاً ، ثم مستوى الـ 49 جنيها ، واستمر في تحقيق مكاسبه وصولا مع مطلع شهر أغسطس الجاري إلى مستوى جديد يبلغ 48.5 جنيه لكل دولار ، ويمثل هذا المستوى الأعلى للعملة المحلية منذ 9 أشهر .
هذا التحسن آثار علامات الإستفهام لدى بعض المراقبين المحليين والخارجيين عن مدى استدامة هذا التحسن؟ وهل من المصلحة العامة استهداف تحسن الجنيه أمام الدولار بوتيرة مستمرة؟ أم أن الهدف الأسمى هو السعى لتنمية تدفقات النقد الأجنبي من مصادرنا المختلفة؟
وفي طريقنا للإقتراب من إجابة تلك الأسئلة من المهم استقراء أهم الأسباب التي أدت إلى تحسن الجنيه في الأسابيع الأخيرة ، لأن تلك الأسباب هي التي شكلت الركيزة الأساسية لاستقرار سعر الصرف ، بل وتحسنه ، وسوف تتحكم في درجة تغيراته مستقبلاً.
في تصوري ، وبدرجة عالية من الثقة ، أن أول تلك الأسباب يرجع إلى التطبيق الناجح للإدارة المرنة لسوق الصرف ، التي نجحت في تقليل التقلبات الحادة ، وعززت من ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، مما أدى إلى تدفق النقد الأجنبي عبر شرايين الجهاز المصرفي وساعد على تحسن التوقعات المستقبلية للجنيه.
وكانت مصر قد شهدت نمواً في مصادر النقد الأجنبي التقليدية المختلفة ، فقد زادت حصيلة الصادرات المصرية مسجلة نحو 29.75 مليار دولار ، كما قفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 32.8 مليار دولار ، خلال الإحدى عشر شهرا الأولى من 2024/2025 ، أما إيرادات السياحةً فقد زادت إلى 12.5 مليار دولار.
ولم تساهم تلك التدفقات في دعم الجنيه فقط ، ولكن ساعدت أيضا على النمو المستمر لاحتياطي النقد الأجنبي مسجلاً 49.036 مليار دولار بنهاية يوليو الماضي ، كما حقق صافي أصول النقد الأجنبي للجهاز المصرفي فائضاً في شهر يوليو الماضي بلغ نحو 14.94 مليار دولار.
هذا التطور في أرقام مصادر النقد الأجنبي الذاتية ، رغم فقداننا معظم إيرادات قناة السويس ، كان له الفضل الأكبر في تميز أداء الجنيه المصري في تلك الفترة.
وفي ظل سياسة نقدية اتسمت بارتفاع هيكل أسعار الفائدة ، نلمس أحد أهم الأسباب المهمة في استقرار الجنيه وتحسنه ، حيث ساعد فارق الفائدة الحقيقي بين أوراق الدين العام الحكومية وبين فائدة الدولار ، على انتعاش تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر ، الأموال الساخنة ، والتي تجاوزت الـ 38 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، كما حد ذلك من خروج النقد الأجنبي ، وساعد على تشجيع الادخار والاستثمار المحلي ، مما دعم قيمة العملة بشكل غير مباشر.
على الجانب الآخر كانت هناك تقديرات بنوك استثمار عالمية مرموقة، مثل جولدمان ساكس، حيث أشار إلى أن قيمة الجنيه المصري حالياً هو أقل من قيمته الحقيقية بنحو 30% ، مما يعكس وجود فرصة لتصحيح السعر في المستقبل، ويعزز من توقعات بارتفاع محتمل للعملة، خاصة مع استمرار توجهات الإصلاح الاقتصادي وتحسن الأداء المالي ، وهو ما يدفع المستثمرين إلى الإحتفاظ بمراكز طويلة بالجنيه المصري أي شراء الجنيه وبيع الدولار.
إن تفاعل واستمرار العوامل السابقة يخلق بيئة استقرار وتوقعات إيجابية للجنيه ، بإمكانية استمراره في الأداء الإيجابي في المدى القريب والمتوسط ، خاصة إذا استمرت الإصلاحات الهيكلية المخططة ، ونجحت مصر في جذب المزيد من الاستثمارات المباشرة.
بالطبع تحسن الجنيه المصرى يحمل في طياته مميزات متعددة ، من أهمها انخفاض فاتورة الاستيراد ، وبالتالي انخفاض تكلفة استيراد كافة أنواع السلع ومستلزمات الإنتاج التي يتم استيرادها ، وهو ما يعنى انخفاض الأسعار محلياً وانخفاض معدل التضخم وتراجع عجز الميزان التجاري ، بالإضافة إلى أن كل انخفاض في سعر صرف الجنيه أمام الدولار يقلص الدين الخارجي للبلاد مقوماً بالعملة الوطنية.
ومع ذلك فان هذا التحسن لقيمة الجنيه المصري قد يسبب تداعيات قد تتعارض مع الأهداف الموضوعة لبعض المؤشرات الكلية الأخرى ،
فارتفاع سعر الصرف قد يجعل المنتجات المصرية أكثر تكلفة في الأسواق الخارجية، مما يضر بالصادرات ويؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي ، وأيضاً زيادة التكاليف بالنسبة للسياح الأجانب وهو ما قد تؤدي إلى انخفاض التدفقات السياحية ، وهي مصدر مهم للعملة الصعبة.
من ناحية أخرى فإن ارتفاع أسعار الفائدة المحلية يجذب الأموال الساخنة ، لكن في ذات الوقت تكون هذه التدفقات غير مستقرة ويمكن أن تغادر السوق بسرعة عند تغير الظروف، مما يهدد استقرار العملة ، كما أن تحسن الجنيه يقلل من جاذبية المستثمرين الأجانب فى أوراق الدين العام.
ويعمل البنك المركزي المصري على تبنى وتطبيق استراتيجيات مبتكرة ومتوازنة، تعتمد على أدوات وسياسات نقدية ومبادرات لتنمية قطاعات ذات قيمة مضافة، مستهدفاً تحقيق التوازن الأمثل بين استقرار الجنيه عبر آلية مرونة سعر الصرف من ناحية والحفاظ على القدرة التنافسية للصادرات والسياحة من ناحية أخرى ، كما أن إدارته للسياسة النقدية بشقيها ، تغيرات أسعار الفائدة وسعر الصرف ، والإدارة الحكيمة للتدفقات النقدية الساخنة، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الإصلاحات الهيكلية، كلها عوامل تضمن ضمان استقرار اقتصادي مستدام.
وسوف تتشكل ملامح مستقبل الجنيه المصري أمام الدولار في ظل تفاعل السياسات الاقتصادية، والتدفقات الاستثمارية، وتوقعات السوق العالمية وتطور الأوضاع الجيوسياسية.
وإذا استمرت مصر في تعزيز الإصلاحات واحتواء التحديات ، فإنها تضع نفسها على مسار مستدام نحو استقرار العملة، مما يعزز من مكانتها الاقتصادية ويزيد من قدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





