“عبد العال” يجيب على أكثر 10 أسئلة تداولا حول التضخم والوقود والدولار والفائدة

الصورة الكاملة تشير إلى أن الضغوط الحالية ترتبط أساساً بعوامل خارجية

وصلني خلال الأيام الماضية عدد كبير من الأسئلة حول ما يحدث في الاقتصاد حالياً، خاصة بعد ارتفاع التضخم في فبراير وتحريك أسعار الوقود، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تأثيرات على سعر الصرف أو أسعار الفائدة.

سأحاول في السطور التالية الإجابة على أبرز هذه الأسئلة بصورة مبسطة.

السؤال الأول: لماذا ارتفع التضخم في فبراير؟

الارتفاع في التضخم خلال شهر فبراير كان متوقعاً جزئياً بسبب الطلب الموسمي الذي يسبق شهر رمضان والأعياد.

في هذه الفترة من كل عام يزداد الإنفاق الاستهلاكي، خاصة على بعض السلع ، مثل الملابس والأحذية والسلع الغذائية والمطاعم والخدمات.

لكن المفاجأة كانت أن معدل الزيادة الشهرية في التضخم جاء أعلى من التوقعات. التقديرات كانت تشير إلى تضخم شهري يتراوح بين 1.5% و2% تقريباً، لكن الرقم الفعلي جاء أعلى من ذلك نحو 3%. هذا مهم لأن التضخم الشهري يعكس حركة الأسعار الحالية وليس فقط تأثير المقارنة مع العام السابق.

السؤال الثاني: ما تأثير رفع أسعار الوقود على التضخم؟

زيادة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 14% و17% تعني انتقال ما يسمى اقتصادياً بصدمة تكلفة إلى الاقتصاد ، وتظهر آثارها عادة عبر 3 مراحل ، المرحلة الأولى سريعة على النقل ، والمواصلات والخدمات اللوجستية ، والمرحلة الثانية على تكلفة الإنتاج الصناعي ومواد البناء و السلع الوسيطة ، والمرحلة الثالثة على أسعار الغذاء و السلع الاستهلاكية.

وفي التجارب السابقة في مصر، تحريك أسعار الوقود كان يضيف تقريباً 2 إلى 3 نقاط مئوية للتضخم السنوي.

وقد يكون التأثير هذه المرة أكبر قليلاً بسبب عاملين وهما ارتفاع أسعار النفط عالمياً ، وتحركات سعر الصرف.

السؤال الثالث: هل يؤثر ارتفاع الوقود والطاقة على سعر الجنيه؟

نعم، لأن ارتفاع أسعار النفط العالمية يزيد من فاتورة استيراد الطاقة، وهو ما يعني زيادة الطلب على الدولار.

كما أن فترات التوتر العالمية قد تدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة مؤقتاً فيما يعرف بالأموال الساخنة، وهو ما يضيف ضغوطاً على سوق الصرف.

لكن في المقابل يمتلك الاقتصاد المصري عدداً من مصدات الاستقرار مثل احتياطيات النقد الأجنبي ، و فائض صافي الأصول الأجنبية في الجهاز المصرفي ، و أدوات البنك المركزي لإدارة السيولة في السوق.

السؤال الرابع: هل يمكن أن يرفع البنك المركزي الفائدة في الاجتماع القادم؟

السيناريو الأقرب حالياً هو التريث وتثبيت أسعار الفائدة مؤقتاً ، والسبب أن الضغوط التضخمية الحالية مرتبطة أساساً بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وهو عامل خارجي لا يمكن معالجته بالكامل برفع الفائدة.

لكن البنك المركزي يظل يراقب عدة عوامل مهمة مثل اتجاه التضخم خلال الأشهر المقبلة ، وتحركات سعر الصرف ، وتطورات أسعار النفط العالمية ، وإذا استمرت الضغوط لفترة أطول، فقد يصبح رفع الفائدة خياراً مطروحاً.

السؤال الخامس: ماذا يحدث لو استمرت الحرب وارتفعت أسعار النفط أكثر؟

إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة وارتفع النفط إلى مستويات مرتفعة مثل 110 أو 120 دولاراً للبرميل، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم ، و ضغوط إضافية على سعر الصرف ، وفي هذه الحالة قد تضطر السياسة النقدية إلى اتخاذ موقف أكثر تشدداً وربما رفع الفائدة.

لكن هذا القرار تكون له تكلفة اقتصادية، لأنه يرفع أيضاً تكلفة الاقتراض وأعباء خدمة الدين و تكلفة التمويل على الشركات.

السؤال السادس: هل هناك تعارض بين قرارات الحكومة والبنك المركزي؟

هذا السؤال يتكرر كثيراً.

في أوقات الأزمات العالمية أو الحروب، قد تلجأ الدول إلى ما يسمى سياسات إدارة الصدمات أو إدارة الأزمة.

الحكومة قد تتخذ إجراءات مالية مثل تحريك أسعار الوقود و دعم بعض القطاعات ، بينما يحاول البنك المركزي عبر السياسة النقدية احتواء التضخم والحفاظ على استقرار العملة.

هذه السياسات ليست متناقضة بالضرورة، بل هي أدوات مختلفة لإدارة نفس الأزمة، ودائماً ما يكون هناك تنظيم بين السياسة المالية والسياسة النقدية.

السؤال السابع: ما التوقعات المحتملة لسعر الدولار في الفترة القادمة؟

من الصعب التنبؤ بسعر محدد للدولار، لأن سعر الصرف يتأثر بعدة عوامل في نفس الوقت، أهمها أسعار النفط العالمية وحركة الاستثمارات الأجنبية و التطورات الجيوسياسية في المنطقة ، وتدفقات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج

لكن يمكن الحديث عن نطاقات تقديرية وفقاً لعدة سيناريوهات.

إذا هدأت الأوضاع العالمية وتراجعت أسعار النفط، فقد يميل سعر الصرف إلى الاستقرار في نطاق يقارب 50 إلى 52 جنيهاً للدولار. وهذا السيناريو هو السائد نسبياً الآن.

أما إذا استمرت التوترات لفترة أطول، فقد يتحرك السعر في نطاق أوسع بين 52 و55 جنيهاً للدولار.

وفي حالة تصاعد الأزمة وارتفاع النفط بشدة (لا قدر الله)، قد يشهد السوق ضغوطاً أكبر مؤقتاً ليصل إلى نطاق يقارب 55 إلى 57 جنيهاً للدولار قبل أن يستقر.

المهم أن سعر الصرف أصبح أكثر مرونة في السنوات الأخيرة، في إطار آلية مرونة سعر الصرف، وهو ما يسمح بامتصاص الصدمات الخارجية بشكل تدريجي، بما يحول دون استهلاك احتياطيات النقد الدولاري وأيضاً استحالة عودة مظاهر السوق الثانوي “السوق الأسود”.

السؤال الثامن: هل يمكن أن يؤدي خروج الأموال الساخنة إلى أزمة في سعر الصرف؟

الأموال الساخنة هي الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل في أدوات الدين مثل أذون وسندات الخزانة.

هذه الأموال تتحرك بسرعة بين الأسواق وفقاً لمستوى المخاطر والعائد. في فترات التوتر العالمي قد يخرج جزء منها من الأسواق الناشئة.

لكن في المقابل هناك عوامل مهمة تساعد على تخفيف الضغوط، مثل احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري وتدفقات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج و الاستثمارات المباشرة في بعض القطاعات.

لذلك فإن خروج جزء من هذه الأموال لا يعني بالضرورة حدوث أزمة، بل يكون غالباً حركة مؤقتة مرتبطة بظروف الأسواق العالمية ، خاصة أن تلك الأرصدة غير مدمجة في الاحتياطي النقدي وتستخدم في تمويل أصول قصيرة الأجل سهلة الاسترداد عند وجود طلب للخروج من المستثمرين.

السؤال التاسع: ما السيناريوهات المحتملة لأسعار الفائدة خلال الفترة القادمة؟

يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية لمسار الفائدة:

السيناريو الأول: تثبيت الفائدة وهو السيناريو الأقرب حالياً لاجتماع الثاني من أبريل القادم ، وفي هذه الحالة قد تبقى أسعار الفائدة قرب مستوياتها الحالية، مع احتمال العودة تدريجياً إلى مسار الخفض لاحقاً إذا هدأت الضغوط التضخمية.

السيناريو الثاني: تأجيل خفض الفائدة ، فقبل الأزمة الحالية كان الاتجاه المتوقع هو خفض الفائدة تدريجياً خلال العام ، لكن مع ارتفاع أسعار الطاقة قد يفضل البنك المركزي تأجيل أي خفض للفائدة عدة أشهر حتى تتضح الصورة.

السيناريو الثالث: رفع محدود للفائدة ، فإذا استمرت الضغوط لفترة طويلة وارتفع التضخم بشكل ملحوظ، فقد يتم رفع الفائدة بنحو 1% إلى 2% كإجراء احترازي لدعم استقرار الأسعار وسوق الصرف ، لكن هذا السيناريو يظل أقل احتمالاً في الوقت الحالي.

السؤال العاشر: هل يمكن أن يعقد البنك المركزي اجتماعاً استثنائياً لرفع الفائدة؟ وهل يمكن زيادة الاحتياطي الإلزامي مرة أخرى؟

هذا السؤال يتكرر كثيراً.

من الناحية النظرية يمكن للجنة السياسة النقدية عقد اجتماع استثنائي إذا حدثت تطورات كبيرة في الأسواق ، لكن في معظم الحالات تفضل البنوك المركزية الانتظار حتى الاجتماع الدوري حتى تتوافر بيانات أوضح حول التضخم والأسواق.

أما بالنسبة للاحتياطي الإلزامي، فقد تم خفضه في وقت سابق من 18% إلى 16% حالياً بغرض إتاحة سيولة في الأسواق. وقد يلجأ البنك المركزي مرة أخرى إلى هذه الأداة إذا رأى ضرورة لتقليل السيولة المحلية، لكن استخدامه يعتمد على تقييم شامل للأوضاع النقدية والتضخمية ، في تصوري أن ذلك يمكن أن يكون عند الضرورة القصوى وفي المدى الطويل.

بعبارة أخرى، يبقى القرار مرهوناً بتطورات التضخم والسيولة في السوق و استقرار سعر الصرف.

الخلاصة العامة

الصورة الكاملة تشير إلى أن الضغوط الحالية ترتبط أساساً بعوامل خارجية، وأن مسار السياسة النقدية سيظل مرهوناً بتطورات الأسواق العالمية وأسعار النفط خلال الفترة المقبلة.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى