محمد عبد العال يكتب : سيناريوهات إبداعية قد تُعيد رسم خريطة الديون المصرية!
يتكون هيكل الدين الخارجي المصري من مجموعة من المصادر وبالتالي سوف يختلف حتماً سيناريو التعامل وفقاً لدرجة وإمكانية وتكلفة الفكاك منه

تلقى الشارع المصري مفاجأة سارة حقاً عندما أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن خفض الدين الخارجي إلى مستويات غير مسبوقة ، هذا الإعلان أحدث حراكاً واسعاً وأعطى دفعة جديدة للتوقعات الاقتصادية.
ما هي الهندسة المالية “خارج الصندوق” التي قد تلجأ إليها الحكومة لتفكيك وتقليص هذا الحجم من الديون الخارجية المتراكمة على مدى عقود؟
إذا كان رئيس الوزراء يتحدث عن خفض “خلال أيام” و”بمستويات غير مسبوقة”، فهذا يعني أن هناك إجراء أو قرار محاسبي ومالي واقتصادي وسياسي وقانوني قد تم الانتهاء من دراسته والاقتناع بمكاسبه والتفاوض عليه بالفعل مع الأطراف المعنية، والآن حان وقت إعلانه ليظهر على أرض الواقع فوراً.
وبناء على هذا القيد الزمني الضيق جداً، دعنا نتعرض باختصار لصور وآليات تصفية أو تقليص الديون الشائعة التي تنطبق على حالتنا وعلى معظم الدول التي مرت بمثل ظروفنا ، والتي قد تفسر كيف ينخفض الدين في فترات قصيرة جداً.
يتكون هيكل الدين الخارجي المصري ، وفقاً لتقدير مبني على آخر الأرقام المتاحة من عدة جهات بحثية ، من مجموعة من المصادر ، وبالتالي سوف يختلف حتماً سيناريو التعامل وفقاً لدرجة وإمكانية وتكلفة الفكاك منه.
أولاً: إعادة شراء السندات الدولارية:
تمثل السندات الدولية (اليوروبوندز، السندات الخضراء، وسندات الساموراي والباندا) نسبة ضخمة من حجم الدين الخارجي تقترب من 30 إلى 35 مليار دولار، أي بنسبة تقدر بين 20% إلى 22% من إجمالي حجم الدين الخارجي. ميزة هذه الكتلة أنها “سائلة”، وهي الأنسب لسيناريو “إعادة الشراء بخصم” من الأسواق العالمية ، وقد تلجأ الحكومة استثنائياً لاستخدام جزء محسوب من سيولتها الاحتياطية الدولارية لإعادة شراء جزء من سنداتها الدولية المتداولة في الخارج بأسعار أقل من قيمتها الإسمية ، وهذه الآلية تتيح للدولة إعدام جزء من ديونها بتكلفة تقل بنسبة 20% أو 30% عن القيمة الحقيقية للدين، مما يوفر مليارات الدولارات.
ثانياً: إعدام الديون المتبادلة:
هذا السيناريو هو الوحيد الذي يتم فيه شطب الدين فوراً، فقد تكون هناك اتفاقية “مقاصة” كبرى على سبيل المثال، إذا كانت هناك دولة دائنة لمصر، وفي نفس الوقت ترغب في الاستحواذ على أصول تم تقييمها والانتهاء من إجراءاتها قانونياً (مثل صفقة “رأس بناس” أو حصص في شركات كبرى) ، وبعد التوقيع، يسقط الرقم من خانة “الديون الخارجية” ويتحول لخانة “الاستثمارات الأجنبية” ، وهذا لا يحتاج لسنوات، بل يحتاج فقط لقرار سياسي وقانوني جاهز للإعلان، يظل هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً وينطبق أيضا حال تحويل “أرصدة” الودائع الخليجية المتبقية لدى البنك المركزي إلى استثمارات مباشرة ، وهذا التحرك لا يخفض رقم الدين فحسب، بل يحول الالتزامات المالية إلى مشروعات إنتاجية تخلق آلاف الوظائف وتدعم التشغيل، وهو ما يمثل “ضربة مزدوجة” لصالح الاقتصاد الكلي.
ثالثا: الدين مقابل المناخ:
تلك فكرة إبداعية ومقايضة ذكية، وكانت مصر قد بدأت بتطبيقها على نطاق ضيق ويمكن التوسع فيها، وتبرز “مبادلة الديون بالعمل المناخي” ، وبموجبها يتم الاتفاق مع الدول الدائنة (خاصة الأوروبية) على شطب جزء من الديون مقابل إنفاق قيمتها بالجنيه المصري داخل مصر على مشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية ، والنتيجة هي التخلص من دين بالدولار، وتحفيز نمو أخضر محلياً.
رابعاً: الديون الثنائية:
تمثل حوالي 15 لـ 18 مليار دولار ، وبنسبة مقدرة من 10% إلى 12%، وتستخدم غالباً لتمويل مشروعات محددة، وهذه القروض لا يمكن شراؤها من السوق، بل تحتاج إلى “اتفاقيات سياسية” لمبادلتها بأصول أو العمل المناخي ، وهنا يأتي دور الصين كمثال بارز، حيث الصين، تمتلك كتلة كبيرة من الديون المرتبطة، بالبنية التحتية المصرية، قد تفتح الباب لمفاجأة من نوع خاص وتحويل جزء من هذه الديون إلى حصص ملكية في مناطق لوجستية أو موانئ استراتيجية ضمن طريق الحرير ، وهذا التوجه يضمن استدامة المشروعات ويخفف الضغط عن الموازنة العامة.
خامساً: جدولة الديون في إطار من التفاهم السياسي الدولي:
على غرار ما حدث في نادي باريس عام 1991، قد تنجح الدبلوماسية المصرية في تحويل “الثمن الاقتصادي” الذي تدفعه الدولة جراء الاضطرابات الإقليمية (مثل حرب غزة وتأثيرها على قناة السويس) إلى اتفاق دولي لإعادة جدولة الديون بشروط ميسرة جداً أو شطب أجزاء منها ، كدعم لاستقرارها وتعويضا عن خسائرها الكبيرة، وهذا ليس عيبا أدبياً أو اقتصادياً ، فهكذا يتم تعويض الدول التي عانت من صدمات خارجية لا ذنب لها فيها ، رغم مساهمتها الإيجابية في تثبيت دعائم السلام الإقليمي والعالمي.
سادسا: ديون المؤسسات الدولية:
تشمل قروض صندوق النقد الدولي، بنك الاستثمار الأوروبي، وغيرها، وتقدر نسبتها إلى حجم الديون الخارجي بـ 33% إلى 30% ، ومثل تلك القروض هي الأصعب، فهي لا تُشطب ولا تُباع بخصم، بل تُسدد في مواعيدها، لكن ميزتها أن فوائدها هي الأقل عالمياً ، ويمكن أن نضيف على الديون الدولية المديونيات الأخرى ، كالتسهيلات الائتمانية قصيرة الأجل والديون التجارية والقروض البنكية، وتلك دائماً ما يتصدى لها الجهاز المصرفي بما يملكه من صافي أصول النقد الأجنبي لديه.
سابعاً: تصدير العقار بالدولار:
أشار رئيس الوزراء سابقاً إلى هذا الملف، والعلاج المنتظر قد يساهم فيه فكرة ربط بيع العقارات للأجانب بتسوية ديون خارجية معينة أو عبر آلية تضمن تدفقاً دولارياً ضخماً يخصص حصرياً لـ “صندوق سداد الديون”.
المفاجأة، التي يتحدث عنها رئيس الوزراء من المرجح أن تكون خليطاً بين “مبادلة ديون بأصول” و”اتفاقيات تمويل ميسرة جداً” لإعادة هيكلة الديون قصيرة الأجل وتحويلها إلى طويلة الأجل أو شطبها مقابل استثمار.
إن ذلك بالطبع سينتج عنه خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى مستوياتها الطبيعية السابقة أي في حدود 40% ، وهذا يتطلب إما خفض “البسط” (رقم الدين نفسه) أو زيادة ضخمة في “المقام” (النمو الاقتصادي)، ويبدو أن الحكومة تعمل على الاثنين معاً.
خفض الدين ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق هدف أسمى يشعر به المواطن ، فكل دولار يتم توفيره من “أقساط الديون” هو دولار يمكن توجيهه لدعم التعليم، الصحة، وزيادة الدخول الحقيقية.
المفاجأة الحقيقية لن تكون في “شطب الرقم” فحسب، بل في قدرة هذه الخطوات على كبح التضخم وتحويل الاقتصاد من وضعية “سداد الفواتير” إلى وضعية “الإنتاج والتشغيل”.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





