محمد عبد العال يكتب .. الدين الخارجي .. قراءة في “فجوة الأرقام” ومسارات الهيكلة الحتمية
إعطاء الأولوية لهذا الملف في خطط العمل القادمة هو الضمانة الحقيقية لاستقلال القرار الاقتصادي وتحقيق استدامة النمو التي ينشدها المواطن

أثار الإعلان الأخير للبنك الدولي عن ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار ، ليصل إلى 163.71 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025 مقارنة بـ 161.23 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي ، تساؤلات مشروعة في الأوساط الاقتصادية والإعلامية، خاصة وأن تلك الزيادة تأتي في وقت كان يتطلع فيه الكثيرون لمسار نزولي مستدام بعد التحسن التاريخى وغير المسبوق لمعظم مصادر النقد الأجنبي.
إن قراءة هذه الأرقام تتطلب تجرداً وموضوعية لفهم الأسباب الحقيقية وراء هذا النمو، والتمييز بين “الضغوط الطارئة” و”الأزمات الهيكلية”، تمهيداً لوضع هذا الملف على رأس أجندة العمل الوطني في المرحلة المقبلة.
لماذا ارتفع الدين رغم التوقعات بانخفاضه؟ “تفسير الواقع”.
يتساءل الكثيرون عن أسباب الزيادة المعلنة من قبل البنك الدولي ، ويمكن حصرها في عدة نقاط فنية :
– أثر تكلفة التمويل : في ظل أسعار الفائدة العالمية المرتفعة تتحول الفوائد المستحقة أحياناً إلى جزء من أصل الدين عند إعادة التمويل.
– سد الفجوات التمويلية الطارئة : قد تلجأ الدولة للاقتراض قصير أو متوسط الأجل لتغطية التزامات عاجلة في ظل تأثر موارد مثل “قناة السويس” بالتوترات الإقليمية.
– فارق التوقيت في التدفقات : التدفقات الكبرى ، مثل الصفقات الاستثمارية ، تُخفض “صافي الدين”، لكن الالتزامات التعاقدية السابقة تظل تظهر في “إجمالي الدين” حتى يتم سدادها فعلياً.
الأسباب العميقة والمتجددة: “بنية المديونية”.
بعيداً عن الأرقام الآنية، يظل أصل المشكلة يكمن في:
– الأسباب الممتدة : استمرار الفجوة بين حصيلة العملة الصعبة ، تصدير وسياحة ، وبين فاتورة الاستيراد وخدمة الدين، مما يخلق حاجة دائمة للاقتراض لسداد الأقساط القديمة.
– الأسباب المتجددة : حالة عدم اليقين العالمية التي تجعل تكلفة التحوط والتمويل في الأسواق الناشئة هي الأعلى منذ عقود.
لا شك أن زيادة المديونية تضع ضغوطاً نفسية وفنية على الأسواق وسعر الصرف ، كما أن زيادة الالتزامات تعني زيادة الطلب المستقبلي على الدولار، مما يتطلب من البنك المركزي الحفاظ على مستويات سيولة دولارية عالية جداً لضمان استقرار الجنيه.
وكالات التصنيف ، مثل موديز وفيتش ، تراقب بدقة نسبة خدمة الدين إلى الإيرادات السيادية ، أي زيادة في هذه النسبة قد تؤجل “ترقية” تصنيف مصر الائتماني، ما لم يقابلها نمو حقيقي ومستدام في الناتج المحلي.
إن مواجهة هذا الملف تتطلب التحرك في 3 مسارات متوازية:
– الهيكلة النوعية : التركيز على إطالة أمد الدين لتقليل الضغط السنوي للأقساط، وتحويل الديون قصيرة الأجل إلى استثمارات مباشرة.
– حوكمة الاقتراض : تفعيل سقف ملزم للدين العام لا يتم تجاوزه إلا لمشروعات تنموية مدرة للدولار تضمن سداد نفسها ذاتياً.
– تحفيز الإنتاج التصديري : الحل الوحيد لخفض الدين حسابياً هو زيادة حجم الاقتصاد “الناتج المحلي” وزيادة الصادرات، بحيث تصبح نسبة الدين للناتج في مسار هابط طبيعي.
خاتمة:
إن ملف الدين الخارجي ليس مجرد أرقام في ميزانية، بل هو انعكاس لقوة الاقتصاد الكلي ، وإعطاء الأولوية لهذا الملف في خطط العمل القادمة هو الضمانة الحقيقية لاستقلال القرار الاقتصادي وتحقيق استدامة النمو التي ينشدها المواطن.





