دكتورة شيماء وجيه تكتب عن .. إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية 

أحد الملفات المحورية في مسار الإصلاح المؤسسي والمالي في مصر

تمثل إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية أحد الملفات المحورية في مسار الإصلاح المؤسسي والمالي في مصر، نظرا لما تمثله هذه الهيئات من امتداد اقتصادي للدولة في قطاعات حيوية، وما تمتلكه من أصول وموارد وإمكانات تشغيلية يمكن أن تسهم بصورة أكبر في دعم النشاط الاقتصادي وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الاستدامة المالية.

ومن ثم، فإن أهمية التحرك في هذا الملف لا تقتصر على معالجة الاختلالات المالية أو تطوير الهياكل الإدارية، وإنما تمتد إلى إعادة تقييم كفاءة استخدام الموارد العامة، ومدى قدرة كل هيئة على تحقيق عائد اقتصادي واجتماعي يتناسب مع حجم إمكاناتها وطبيعة الدور الذي تؤديه.

وتعكس المتابعة الحالية لهذا الملف باعتباره عملية إصلاح متكاملة تتطلب التنسيق بين الجهات المعنية، والربط بين التطوير الإداري والمالي والتشغيلي ، فالتحدي الأساسي لا يتمثل في تغيير الهياكل التنظيمية في حد ذاتها بل في بناء نماذج عمل أكثر كفاءة وقدرة على تنمية الإيرادات، وترشيد النفقات، وتحسين إدارة الأصول، وتقليل الاعتماد على الموارد الإضافية كلما أمكن، دون الإخلال بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تضطلع به هذه الهيئات.

كفاءة الهيئات الاقتصادية و التحول من إدارة الموارد إلى تحقيق العائد

تكتسب إعادة الهيكلة أهميتها من التفاوت المحتمل بين الهيئات الاقتصادية من حيث طبيعة النشاط، وحجم الأصول، والقدرة على توليد الإيرادات، والاحتياجات التمويلية. فبعض الهيئات تعمل في أنشطة يمكن أن تحقق عوائد مباشرة من التشغيل والاستثمار، بينما تؤدي هيئات أخرى أدوارا خدمية أو تنموية تتطلب تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية وإتاحة الخدمات للمواطنين والأنشطة الإنتاجية.

وبالتالي، فإن الإصلاح الفعال يقتضي عدم التعامل مع جميع الهيئات وفق نموذج موحد، بل تقييم كل هيئة على أساس طبيعة نشاطها ومؤشراتها المالية والتشغيلية، وتحديد مواطن ضعف الأداء وأسبابها، سواء ارتبطت بارتفاع التكاليف، أو انخفاض الإنتاجية، أو ضعف استغلال الأصول، أو قصور نظم الإدارة والحوكمة ويسمح هذا التقييم بتحديد التدخلات المطلوبة بصورة أكثر دقة بدلا من الاكتفاء بإجراءات عامة قد لا تعالج الأسباب الحقيقية لاختلال الأداء.

كما أن رفع كفاءة الهيئات الاقتصادية يمكن أن ينعكس على الاقتصاد الوطني من خلال تحسين استخدام الموارد المتاحة، وتطوير الخدمات المقدمة للشركات والمواطنين، ورفع قدرة الأصول القائمة على توليد قيمة مضافة فالأصل الاقتصادي لا تقتصر قيمته على سعره أو حجمه، وإنما تتحدد أيضا بقدرته على دعم النشاط الإنتاجي وتوليد الإيرادات وتوفير الخدمات بكفاءة واستدامة.

تعظيم الاستفادة من الأصول و استخدامه كبديل عن إهدار الإمكانات المتاحة

يمثل تعظيم العائد من الأصول أحد أهم محاور إعادة الهيكلة، خاصة أن امتلاك الأصول لا يعني بالضرورة تحقيق أقصى استفادة اقتصادية منها.

فقد تكون هناك أصول غير مستغلة بالكامل، أو موارد تحتاج إلى تطوير، أو أنشطة تتطلب تحديث أساليب التشغيل والإدارة لرفع إنتاجيتها ومن هنا فإن حصر الأصول وتقييمها وتحديد كفاءتها التشغيلية يمثل خطوة أساسية في بناء رؤية أكثر دقة لإمكانات الهيئات الاقتصادية.

ولا ينبغي أن ينحصر تعظيم الاستفادة من الأصول في بيعها أو التصرف فيها، بل يمكن أن يتحقق من خلال تطوير إدارتها، ورفع معدلات تشغيلها، وإعادة توظيف الأصول غير المستغلة، وتحسين الصيانة والإنتاجية، وإقامة شراكات استثمارية مناسبة عندما تكون أكثر جدوى من الإدارة التقليدية.

ويتيح هذا النهج تحقيق عوائد مستدامة من الموارد القائمة، مع الحفاظ على الأصول ذات الأهمية الاستراتيجية وعدم اللجوء إلى التصرف فيها باعتباره حلا سريع لمشكلات مالية قد تكون ناتجة عن ضعف التشغيل أو ارتفاع التكلفة.

ويظل المعيار الاقتصادي الحاسم هو المقارنة بين البدائل المتاحة من حيث العائد المتوقع والتكلفة والمخاطر والأثر طويل الأجل ، فالتصرف في أصل قد يحقق إيرادا استثنائيا في الأجل القصير، لكنه قد يحرم الهيئة من تدفقات مالية مستقبلية إذا لم تُدرس جدواه بصورة متكاملة ولذلك، فإن الإصلاح الأكثر استدامة هو الذي يرفع القدرة الإنتاجية للأصول وينمي إيراداتها المتكررة بدلا من الاعتماد على حلول مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.

الاستدامة المالية و تقليل الضغوط دون الإخلال بالدور التنموي

ترتبط إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية ارتباطا مباشرا بجهود تعزيز الاستدامة المالية، من خلال تحسين كفاءة الإنفاق، وتنمية الإيرادات، وضبط التكاليف، وتطوير إدارة الالتزامات المالية وكلما تحسنت قدرة الهيئات على تمويل جانب أكبر من احتياجاتها التشغيلية من مواردها الذاتية أمكن تقليل الضغوط التي قد تنتقل إلى الموازنة العامة، وإتاحة مساحة أكبر لتوجيه الموارد العامة إلى أولويات التنمية والخدمات الأساسية.

لكن تحقيق الاستدامة المالية لا يعني بالضرورة أن تصبح جميع الهيئات معتمدة بالكامل على إيراداتها الذاتية، بصرف النظر عن طبيعة دورها فبعض الأنشطة قد تكون ذات عائد اجتماعي أو تنموي مهم، حتى إذا لم تحقق عائدًا تجاريا مرتفعا وفي هذه الحالة، يصبح المطلوب هو الفصل الواضح بين تكلفة أداء الدور العام وبين أوجه القصور التشغيلي، مع ضمان الشفافية في تحديد الالتزامات التمويلية وقياس النتائج المحققة مقابلها.

ومن شأن هذا الفصل أن يتيح تقييما أكثر عدالة وكفاءة لأداء كل هيئة، ويمنع الخلط بين الخسائر الناتجة عن ضعف الإدارة وتلك المرتبطة بتقديم خدمات عامة ذات طبيعة خاصة ، كما يساعد على توجيه الدعم، عندما يكون مطلوبا إلى أهداف محددة يمكن قياسها ومراجعتها، بما يعزز الانضباط المالي ويحافظ في الوقت نفسه على الأبعاد الاجتماعية والتنموية للنشاط الاقتصادي.

الحوكمة والرقابة يمثلان أساس الإصلاح المستدام

لا يمكن تحقيق نتائج مستدامة من إعادة الهيكلة دون تطوير منظومة الحوكمة والرقابة والمساءلة ، فرفع كفاءة الإدارة يتطلب وضوح المسؤوليات، وتحديد مؤشرات أداء قابلة للقياس، وربط الخطط التشغيلية بالنتائج المالية والخدمية، إلى جانب وجود نظم دقيقة لمتابعة التكاليف والإيرادات والاستثمارات والالتزامات.

وتبرز أهمية التنسيق بين رئاسة مجلس الوزراء ووزارات المالية والنقل والجهات المعنية إلى جانب المؤسسات ذات الصلة في تحقيق التكامل بين القرارات المالية والإدارية والتشغيلية فإعادة هيكلة هيئة اقتصادية قد تتطلب قرارات تتجاوز نطاقها الإداري، سواء فيما يتعلق بتحديث نظم التمويل، أو تطوير الأطر التنظيمية، أو إعادة توزيع الاختصاصات، أو تحسين آليات التعاقد والاستثمار.

ومن ثم، فإن سرعة التنفيذ تعتمد على وضوح الأدوار وتكامل القرارات، وليس فقط على إعداد خطط الإصلاح ، كما أن الحوكمة الفعالة تقتضي وجود قواعد واضحة للإفصاح عن الأداء، وتقييم دوري لنتائج الإصلاح، ومراجعة مدى الالتزام بمستهدفات الكفاءة والجودة.

فالمساءلة لا ينبغي أن تقتصر على رصد التجاوزات أو مراجعة الإنفاق، وإنما يجب أن تمتد إلى قياس ما تحقق من تحسن في الإنتاجية والإيرادات وجودة الخدمات واستغلال الأصول.

جودة الخدمات والإنتاجية هي الوجه الآخر لإعادة الهيكلة

تتجاوز الآثار الاقتصادية لإعادة الهيكلة المؤشرات المالية المباشرة، لتشمل جودة الخدمات التي تقدمها الهيئات ومدى تأثيرها على كفاءة الاقتصاد ككل ، فالهيئات العاملة في قطاعات النقل والبنية الأساسية والخدمات الاقتصادية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكاليف الإنتاج وحركة التجارة والاستثمار وأي تحسن في كفاءة تشغيلها يمكن أن ينعكس على زمن تقديم الخدمة وتكلفتها، وعلى قدرة الشركات على ممارسة أنشطتها في بيئة أكثر كفاءة.

ومن هنا، فإن نجاح الإصلاح يتطلب ألا تتحول زيادة الإيرادات إلى هدف منفصل عن جودة الخدمة، أو أن يتم خفض النفقات على حساب الصيانة والتطوير والاستثمار الضروري لاستمرار النشاط فخفض التكلفة الذي يؤدي إلى تراجع جودة الأصول أو تدهور الخدمة قد يحقق وفرا مؤقتا لكنه يرفع التكاليف المستقبلية ويضعف العائد الاقتصادي على المدى الطويل والأكثر جدوى هو تبني نموذج يقيس الأداء من خلال مجموعة مترابطة من المؤشرات تشمل الكفاءة التشغيلية، والإنتاجية، والتكلفة، وجودة الخدمة، ورضا المستفيدين، والعائد من الأصول.

ويساعد هذا النموذج على ضمان أن تتحول إعادة الهيكلة إلى تطوير حقيقي في طريقة عمل الهيئات، لا مجرد تعديل في الهياكل أو الأرقام المالية.

التحول من الخطط إلى النتائج هو معيار نجاح الإصلاح المؤسسي

تتوقف النتائج الفعلية لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية على قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة مراجعة الأوضاع القائمة إلى تنفيذ إصلاحات محددة وفق جداول زمنية ومؤشرات واضحة ويشمل ذلك تحديد الوضع المالي والتشغيلي لكل هيئة، ووضع مستهدفات واقعية لخفض الهدر ورفع الإنتاجية وتنمية الإيرادات، مع تحديد المسؤوليات وآليات المتابعة والتقييم.

ومن المهم أيضا التمييز بين التحسن الناتج عن زيادة الإيرادات بصورة استثنائية والتحسن المستدام الذي يأتي من تطوير التشغيل وتحسين إدارة الأصول ورفع كفاءة الموارد فالأثر الحقيقي للإصلاح يظهر عندما تتحسن قدرة الهيئة على أداء مهامها بكفاءة، وتتراجع الاختلالات المتكررة، وتزداد قدرتها على التخطيط والاستثمار، مع وضوح تكلفة الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تؤديه.

في المحصلة، تمثل إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية مسارا يتجاوز الإصلاح الإداري التقليدي إلى إعادة بناء كفاءة إدارة الموارد العامة وتعظيم العائد منها ويتحدد نجاح هذا المسار بقدرته على تحقيق توازن بين الانضباط المالي وكفاءة التشغيل وجودة الخدمات وبين تنمية الإيرادات والحفاظ على الأدوار التنموية للهيئات.

فالإصلاح المؤسسي الأكثر تأثيرا ليس الذي يكتفي بتغيير الهياكل أو تقليص النفقات، وإنما الذي يحول الأصول والموارد القائمة إلى طاقة اقتصادية أكثر إنتاجية، ويعزز قدرة الهيئات على الاستدامة، ويقلل الضغوط المالية على الدولة، ويدعم مساهمة أكثر كفاءة في النمو الاقتصادي والتنمية.

دكتورة شيماء وجيه

خبيرة مصرفية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى