محمد عبد العال يكتب .. من الخبر إلى الفكرة 1
الشريحة الجديدة من صندوق النقد الدولي ليست ضماناً لثبات الجنيه لكنها تمنح الاقتصاد المصري مساحة أكبر لامتصاص الصدمات

الخبر:
أعلن صندوق النقد الدولي إتمام المراجعتين السابعة والثانية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، بما يتيح تدفق نحو 1.8 مليار دولار إلى مصر خلال الأيام المقبلة.
ويمثل هذا القرار شهادة ثقة دولية جديدة في الاقتصاد المصري، كما يوفر سيولة دولارية إضافية تعزز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات.
لكن بعيداً عن الخبر دعونا نذهب إلى الفكرة.
هل تكفي 1.8 مليار دولار لحماية الجنيه؟
السؤال الحقيقي ليس: هل دخلت الأموال؟ بل : هل تكفي هذه الأموال وحدها لضمان استقرار سعر الصرف؟
الإجابة تحتاج إلى قراءة المشهد كاملاً، لأن سوق الصرف اليوم تتحرك بين قوتين متعاكستين: قوة تدعم الجنيه ، وقوة تضغط عليه.
أولاً: قوة الدعم
تمثل السيولة الجديدة دفعة مهمة لسوق النقد الأجنبي.
تعزز قدرة البنك المركزي والجهاز المصرفي على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، وتحد من احتمالات تراكم طلبات الاستيراد أو ظهور اختناقات في توفير الدولار.
الأثر لا يقتصر على الجانب المالي فقط، فمجرد موافقة مجلس إدارة صندوق النقد على صرف الشريحة الجديدة يرسل رسالة ثقة إلى المستثمرين والأسواق الدولية بأن برنامج الإصلاح يسير وفق المسار المتفق عليه، وهو ما يحد من السلوكيات المضاربية أو المبالغة في التحوط التي تظهر عادة مع أي توتر سياسي أو أمني.
ثانياً: قوة الضغط
تبقى الأسواق المالية شديدة الحساسية للتطورات الجيوسياسية.
المستثمر الأجنبي في أذون وسندات الخزانة يتفاعل سريعاً مع أي تصعيد عسكري أو اضطراب إقليمي، وقد يفضل تخفيض جزء من استثماراته مؤقتاً حتى تتضح الصورة.
أي ارتفاع في أسعار النفط يرفع فاتورة الواردات، ويزيد الطلب على الدولار، بما يفرض ضغوطاً إضافية على سوق الصرف.
إذن… فإن قوة الدعم ليست وحدها في الميدان، بل تواجهها ضغوط خارجية متغيرة.
ثالثاً: من يحسم المعركة؟
في ظل نظام سعر الصرف المرن، لا ينبغي أن نتوقع ثباتاً دائماً للجنيه، وإنما حركة طبيعية تعكس توازن العرض والطلب.
على المدى القصير، من المرجح أن تمنح السيولة الجديدة الأسواق قدراً من الهدوء والثقة، وأن تخفف أي ضغوط مفاجئة قد تنتج عن خروج محدود لبعض الاستثمارات الأجنبية.
على المدى المتوسط، ستظل التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة هي العامل الأكثر تأثيراً، وقد تدفع الجنيه إلى التحرك صعوداً أو هبوطاً وفقاً لتغير الظروف.
وهنا تظهر أهمية سعر الصرف المرن.
بدلاً من استنزاف الاحتياطي للدفاع عن رقم ثابت، يسمح النظام الحالي بامتصاص الصدمات تدريجياً، لتتحول الضغوط إلى تذبذبات طبيعية يمكن للاقتصاد التعامل معها.
الـ 1.8 مليار دولار لا تلغي تقلبات سعر الصرف، لكنها تجعل هذه التقلبات أكثر هدوءاً وأكثر قابلية للإدارة.
الدرس الذي يبقى
الأموال وحدها لا تصنع الاستقرار.
الاستقرار الحقيقي يتحقق عندما تجتمع السيولة، والثقة، ومرونة السياسات الاقتصادية في منظومة واحدة.
الشريحة الجديدة من صندوق النقد ليست ضماناً لثبات الجنيه، لكنها تمنح الاقتصاد المصري مساحة أكبر لامتصاص الصدمات، وتؤكد أن خط الدفاع الأول لم يعد تثبيت سعر الصرف، بل تعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف مع المتغيرات.
وهذه هي الفكرة… فقط لا غير.
محمد عبد العال
خبير مصرفي






