دكتور زكريا صلاح يكتب : كيفين وارش .. وتعزيز حالة عدم اليقين

من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها مؤخرًا بإعادة التفكير في أسلوب التواصل الذي يتبعه الاحتياطي الفيدرالي مع الأسواق 

يواجه الاقتصاد العالمى مجموعة من التحديات ، تتمثل بشكل رئيسي فى ارتفاع الديون الحكومية، والتوترات الجيوسياسية، والتضخم، وتقلبات أسعار الفائدة، ومخاطر تتعلق ببعض الأصول.

وتمثل هذه التحديات مجموعة من المخاطر المتداخلة التي تجعل البيئة الاقتصادية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضي، وأصبح الإقتصاد العالمي أكثر عرضة للصدمات غير المتوقعة وتزايد حالة عدم اليقين.

لقد اعتادت الأسواق على تقديم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إشارات مسبقة حول اتجاه أسعار الفائدة، الأمر الذي يساعد المستثمرين على بناء توقعاتهم وتقليل عنصر المفاجأة، لكن كيفن وارش من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها مؤخرًا بإعادة التفكير في أسلوب التواصل الذي يتبعه الاحتياطي الفيدرالي مع الأسواق.

وكان وارش قد أعلن عن اتجاه الفيدرالي إلى تقليص ما يُعرف بـ “التوجيه المستقبلي” ، الأمر الذي يمثل تحولًا مهمًا في السياسة النقدية العالمية، ويرى مؤيدو هذا التوجه أن الاقتصاد أصبح أكثر عرضة للصدمات غير المتوقعة، وأن إعتماد الأسواق على تصريحات مسؤولي الإحتياطي الفيدرالي أكثر من اعتمادها على البيانات الاقتصادية نفسها فى ظل التغيرات والمخاطر أصبح يمثل جانباً سلبياً خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية، واضطرابات التجارة العالمية، والتطورات التكنولوجية السريعة، وتغيرات أسواق الطاقة، والأحداث الصحية أو المناخية ، بما يجعل التوقعات المسبقة أقل دقة، بل وقد تقيد قدرة البنوك المركزية على الاستجابة للمتغيرات، وبالتالي يجب أن تعتمد السياسة النقدية على البيانات الاقتصادية الفعلية، بحيث يتم اتخاذ كل قرار بناءً على المعلومات المتاحة والمحدثة، وليس وفق مسار معلن مسبقًا.

ورغم أن هذا النهج يمنح الإحتياطي الفيدرالي مرونة أكبر، فإنه يزيد من حالة عدم اليقين لدى الأسواق، وذلك لأن المستثمرين لن يمتلكوا تصورًا واضحًا للمسار المستقبلي لأسعار الفائدة، الأمر الذي يمكن أن يترتب عليه ارتفاع تقلبات أسواق الأسهم والسندات، وزيادة تذبذب أسعار العملات، وصعوبة تسعير الأصول المالية، وارتفاع تكلفة التحوط وإدارة المخاطر.

وعادةً ما تكون الاقتصادات الناشئة الأكثر تأثرًا بحالة ارتفاع عدم اليقين العالمي، لأن المستثمرين يعيدون تقييم المخاطر بصورة مستمرة، وقد تواجه هذه الدول تقلبات أكبر في تدفقات رؤوس الأموال، وضغوطًا على أسعار الصرف، وارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي، وزيادة حساسية الأسواق المحلية لأي بيانات، أما الدول التي تتمتع بأساسيات اقتصادية قوية، واحتياطيات مناسبة، وسياسات مالية ونقدية مستقرة، ستكون أكثر قدرة على استيعاب هذه التقلبات.

وعلي الرغم من أن حالة عدم اليقين قد تكون مفيدًة بما قد تؤديه إلي تقليل الاعتماد المفرط على وعود البنوك المركزية، ودفع المستثمرين إلى التركيز على أساسيات الاقتصاد، ومنح البنوك المركزية مرونة أكبر في مواجهة الصدمات، إلا أن اتجاه الاحتياطي الفيدرالي في عهد كيفن وارش إلى تقليص التوجيه المستقبلي، قد يدخل العالم مرحلة جديدة يكون فيها عدم اليقين جزءًا مقصودًا من أدوات السياسة النقدية، وليس مجرد نتيجة جانبية لها، الأمر الذى يمكن أن يؤدي إلي تأجيل الاستثمارات، وانخفاض شهية المخاطرة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وزيادة تقلبات الأسواق المالية، وسيكون على المستثمرين والمؤسسات المالية والبنوك أن يطوروا نماذجهم لتصبح أكثر اعتمادًا على تحليل البيانات والسيناريوهات، بدلاً من انتظار إشارات مباشرة من البنك المركزي.

وبالنسبة للبنوك المركزية في الدول الناشئة، فإن هذا التحول قد يعني ضرورة تعزيز قدرات إدارة المخاطر، واختبارات الضغوط، والتخطيط الرأسمالي، والتواصل الفعال مع الأسواق، حتى تتمكن من الحفاظ على الاستقرار المالي في بيئة عالمية تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومات والبنوك المركزية هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم وصون الاستقرار المالي، مع الاستعداد للتعامل مع أي صدمات مستقبلية قد يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث لا تزال الأسواق العالمية تمر بمرحلة انتقالية.

ومن غير المرجح أن تحدث انفراجة شاملة قبل تحقق ثلاثة شروط رئيسية وهي عودة التضخم إلى مستويات مستقرة بالقرب من مستهدفات البنوك المركزية، وبدء دورة واضحة لتخفيض أسعار الفائدة وليس مجرد تثبيتها ، والعامل الأهم هو انخفاض التوترات الجيوسياسية التي تضغط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وإذا تحققت هذه العوامل تدريجيًا، فقد تبدأ دورة انتعاش أكثر استدامة خلال عام 2027.

والله من وراء القصد،،

د. زكريا صلاح الجندي

خبير إدارة المخاطر وحوكمة المؤسسات المالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى