محمد عبد العال يكتب : “المَصْطَبَة الاقْتِصَاديَّة 14”

رحلة أم فوزي وخضرة زعزوعي إلى "الساحل الشرير حيث يتحول الحمام بالفريك إلى عملة صعبة!

بعد مغامرتهم البحرية التاريخية التي انتهت بفشل ذريع في تأكيد ما إذا كان “مضيق أم فوزي الدولي” أو “مضيق هرمز” مغلقاً أم مفتوحاً، انتابت حالة من الملل الشديد واليأس أم فوزي وخضرة زعزوعي من متاعب المضايق وقرفها.

صاحت أم فوزي وهي تنفض الغبار عن جلبابها، بالتزامن مع طابور السيارات المتصل الخارج إلى الإسكندرية مع إجازة 23 يوليو: “يا خضرة.. لا مضيق نافع، ولا حاويات سفن جاية، أنا نفسي أشم هواء نضيف وأقضي إجازة في الساحل الشمالى.. بس بشرط.. تكون فى (الساحل الشرير) إللي بيقولوا عليه!”.

على الفور، دخل أعضاء المصطبة حالة طوارئ قصوى لتجهيز متطلبات الرحلة:

فوزي تيك توك ساعدهما في تجهيز أجمل مقتنيات الملابس الخفيفة، وحرص بنفسه أن يأخذ معه “أفضل لباس شرعى” لكي يستخدمه إذا ما نزل البحر هناك!.

جهز فوزي بوكسا كرتونياً مخصصاً للتصدير ليهديه إلى “عبقرينو” مع حرصه على أن يصطحب معه ما يناسبه من ملابس الشاطئ.

أما الحاج رمضان، فلم يترك شيئاً للظروف ، فأغدق عليهم بما لذ وطاب من أقفاص المانجو، والبطيخ، والحمام بالفريك، وبعض أقراص الفطير المشلتت بالسمن البلدي، ومعهم نصف خروف من اللحم الضاني البرقي الأصيل.

ولأن حفظ هذه الثروة يحتاج إمكانيات خارقة في ظل حر يوليو، قامت خضرة بصنع “آيس بوكس” خشبي بيدها، وذهبت واستلفت “لوح ثلج” متين من عم حسن الجزار، ووضعته بداخله لتبريد اللحوم والمانجو! ولم ينسوا “قلتين” لزوم تبريد المياه.

ولم تخل الجلسة من لمسات الحاج رضوان “الكشاف القديم”، فأعطاهم خيمة كبيرة لاستخدامها بعيداً عن “فنادق الشياطين”، واقترح أن ينصبوها على “البحر” عشان مفيش حمامات!.

اللحظة الأولى.. انطباع الغرباء عن “الساحل الشرير”:

ما إن وطأت أقدامهم أرض الساحل الشرير، حتى أدركوا أنهم في كوكب آخر، كوكب سقطت فيه كل كتب ومقررات علوم الاقتصاد:

تضخم الجيوب لا السلع : هنا اكتشفت أم فوزي أن التضخم ليس سببه أبداً “نقود كثيرة تطارد سلعاً قليلة”، بل هو “تضخم جيوب” ، فالجيوب المليانة وحدها هي التي تستطيع الشراء، والنقود تطارد مظاهر تافهة لا قيمة لها.

منحنى “الرغبة في الاقتناء”: كل السلع والرفاهية متاحة بلا حدود، والأسعار لا تتحدد أبداً بالتقاء منحنى العرض والطلب الكلاسيكي، بل بـ “منحنى جديد يُسمى الرغبة في الاقتناء والإشباع مقابل أنه لا حدود للإنفاق”.

اقتصاد ينام النهار ويسهر الليل: شواطئ لا تعرف شمس الصباح إلا للكسل على الشواطئ، وتبدأ الحياة فيها بعد منتصف الليل وحتى أذان الفجر.

اقتصاد “الـ Q.R كود”: ظهر الساحل كحصن منيع في عيون أم فوزي وخضرة، إذا لم تنجح في اجتياز بواباته بالـ Q.R المعتمد والملابس الخاصة، فستعتبر كائناً غريباً مطروداً من جنة البوابات.

مقاطعة تامة للسياسة النقدية: اقتصاد لا يعنيه بالمرة ما تقرره “لجنة السياسة النقدية”، ولا يهمه إن رفعت الفائدة أو خفضتها، ولا حتى مرونة أو عدم مرونة سعر الصرف.

التحول المفاجئ.. “عندما تقابل الحمام بالفريك مع البهرجة”.

وسط محاولات نصب خيمة الحاج رضوان تحت حر الشمس، وفجأة.. وبدلاً من أن يكتفوا بمجرد الفرجة على هذا العالم الغريب، وقعت المفاجأة الكبرى ، تصادمت أم فوزي وخضرة بأحد أطراف الحياة والصخب في الشاطئ الشرير ، ولكن بدلاً من أن يتم طردهما، استقبلهما المصريون والأجانب بترحاب شديد، وتهافت الجميع على تصويرهم، والأدهى من ذلك هو التهافت الهستيري على شراء المقتنيات النادرة التي كانت بحوزتهم من أقفاص المانجو، والبطيخ، و”الحمام بالفريك”، والفطير المشلتت بالسمن البلدي، حتى اللباس الشرعى الخاص بفوزي تيك توك تنافس عليه مجموعة من الخواجات، الأمر الذي اضطر رجال الأمن لتنظيم مزاد للتزايد عليه في مزاد دولي أذيع على جميع الفضائيات الكبرى في العالم، وعوملت “القُلة” كأحد المقتنيات الفرعونية القديمة.

لقد حقق أصحاب الرحلة عوائد اقتصادية ضخمة وغير مسبوقة جعلتهم ينظرون للأمر نظرة مختلفة تماماً، وبدلاً من الهرب، بدأوا يخططون لتكرار الرحلة ولكن لأغراض استثمارية بحتة تحت شعار: “الساحل الشرير.. كله رزق ومفيش بقشيش ولا تفتيش!!”.

نصيحة عبقرينو في طريق العودة

في طريق العودة وهم يحصون الأرباح الخيالية التي جنوها من بيع “الحمام بالفريك” في قلب الساحل الشرير، التفت إليهم عبقرينو مبتسماً، ونصحهم باختصار: “يا جماعة، طالما الشغلة فتحت معاكم وبقت تجارة (أورجانيك) وفاخرة، الرحلة الجاية لازم تطوروا المحفظة الاستثمارية بتاعتكم.. خدوا معاكم كم زجاجة من النبيذ المصري الفخم من صنع مصنع جناكليز الموجود حداكم في محافظة البحيرة؛ ساعتها هتبقوا الموردين الرسميين للبهرجة العالية، وربنا يرزقنا ويرزقكم!”.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى