البنك المركزي المصري يبحث غدا مصير فائدة الجنيه
وسط توقعات قوية بتثبيتها للمرة الثالثة على التوالي

تعقد لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدا ، الخميس ، اجتماعها الدوري الرابع في العام الجاري ، لبحث مصير أسعار العائد الأساسية لدى المركزي ، والتي تعد مؤشرا قويا على اتجاه فائدة الجنيه في الأجل القصير ، وسط توقعات قوية بتثبيتها للمرة الثالثة على التوالي.
وقررت اللجنة في اجتماعها يوم 21 مايو الماضي تثبيت أسعار العائد الأساسية لدى المركزي ، لتستقر عند 19% للإيداع و 20% للإقراض و 19.5% لسعر الائتمان والخصم وسعر العملية الرئيسية ، للمرة الثانية على التوالي ، بعد قرار مماثل في 2 أبريل الماضي ، مؤكدة أن هذا القرار يأتي متسقا مع رؤيتها لآخر تطورات التضخم وتوقعاته، وذلك في ظل بيئة خارجية تتسم بعدم اليقين.
المعدل السنوي للتضخم
وكشف البنك المركزي في وقت سابق عن استقرار المعدل السنوي للتضخم الأساسي المعد من جانبه عند 13.8% في مايو 2026 دون تغيير عن أبريل السابق عليه ، فيما سجل معدل التغير الشهري في الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين 1.6% في مايو ، مقابل 1.1% في أبريل.
ومن المقرر أن يكشف المركزي ، غدا الخميس ، عن تطورات أرقام التضخم خلال شهر يونيو الماضي.
وكان المركزي قد توقع أن يتسارع المعدل السنوي للتضخم العام حتى الربع الثالث من 2026 ، وهو ما يرجع جزئيا إلى الآثار غير المواتية لفترة الأساس، فضلا عن ضغوط العرض الناجمة عن الصراع الراهن ، وما تبعه من تحركات في سعر الصرف وإجراءات لضبط الأوضاع المالية العامة.
وتوقع المركزي أن يتجاوز المعدل السنوي للتضخم العام مستهدفه البالغ 7% ± 2% في المتوسط خلال الربع الأخير من 2026، قبل أن يبدأ في التباطؤ تدريجيا في الربع الأول من 2027 ، ليقترب نحو هذا المستهدف خلال النصف الثاني من العام نفسه.
وأوضح المركزي أن هذا المسار سوف يأتي مدعوما بتقييد نقدي ، إلى جانب التقييم المستمر لمصادر الضغوط السعرية والتطورات الشهرية لمعدلات التضخم، وترسيخ توقعات التضخم، والالتزام الراسخ بمرونة سعر الصرف.
ولفت إلى أنه مع ذلك يظل مسار التضخم المتوقع عُرضة لمخاطر صعودية، بما في ذلك احتمالية استمرار الصراع لفترة أطول، وتجاوز الآثار المترتبة على إجراءات ضبط الأوضاع المالية للتوقعات.
كما أكد المركزي أن الآفاق العالمية للتضخم لا تزال عُرضة للمخاطر، لا سيما تصاعد التوترات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتحولات السلبية في السياسات التجارية.

التيسير النقدي
ومن جانبه أشار محمد عبد العال الخبير المصرفي المعروف إلى أن أغلب المؤشرات المحلية تبدو ظاهرياً داعمة لبدء التيسير النقدي، لكن القراءة المهنية المتكاملة ترجح بوضوح استمرار البنك المركزي في تثبيت أسعار الفائدة.
أوضح عبد العال أن هناك شواهد محلية تميل لصالح الخفض وهي توقعات أغلب المحللين باحتمال انخفاض التضخم في يونيو ، وتراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 46 نقطة في يونيو مقابل 47.1 في مايو، ليسجل انكماشاً للشهر السادس على التوالي، بما يعكس ضعف الطلب والقوة الشرائية داخل القطاع الخاص غير النفطي ، بجانب تحسن الجنيه المصري ليتداول دون مستوى 49 جنيهاً للدولار، وهو تطور إيجابي يعكس تحسن الثقة وتراجع الضغوط على سوق الصرف، وكذلك تحسن مؤشرات البورصة المصرية، وتوقعات حصول مصر على شريحة تمويل أوروبية بقيمة 1.5 مليار يورو خلال الأيام المقبلة، بما يدعم السيولة الخارجية ويعزز حالة الاطمئنان النسبي.
تابع : لكن في المقابل، لا تزال هناك عوامل قوية تدفع البنك المركزي إلى التريث وهي أنه حتى لو انخفض التضخم في يونيو فإنه لا يزال أعلى من المستوى الذي يسمح بخفض مبكر ومريح للفائدة ، كما أن الأسواق العالمية لم تدخل بعد مرحلة تيسير واضحة، مع استمرار حساسية الفيدرالي الأمريكي لتوقعات التضخم ، كما أن الارتفاع الهامشي في أسعار النفط ، حتى لو لم يكن مؤثراً وحده يلفت نظر لجنة السياسة النقدية إلى أن مخاطر الطاقة والجغرافيا السياسية لم تختف تماماً، وأن أي خفض مبكر قد يكون سابقاً لأوانه إذا عادت أسعار السلع أو تكاليف الشحن للضغط على الأسعار.
رفع فائدة الشهادات
أشار عبد العال إلى قيام البنك التجاري الدوليCIB برفع فائدة الشهادة الثلاثية ذات العائد الثابت إلى 18% اعتباراً من 7 يوليو الجاري ، وبما يجعله متسقاً مع اتجاه البنوك العامة وربما أعلى في بعض الشرائح ، موضحا أن هذه الخطوة، الصادرة قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية، لا يمكن قراءتها كإشارة إلى خفض وشيك، بل كتحوط مصرفي واضح لاستمرار أسعار العائد المرتفعة لفترة أطول، أو على الأقل عدم توقع خفض قريب ومؤثر.
وبحسب عبد العال ، فإن تثبيت الفائدة في اجتماع الخميس لا ينبغي تفسيره كتشدد نقدي جديد، بل كوقفة تقييم محسوبة ، لافتا إلى أن البنك المركزي غالباً يريد أن يرى 3 أمور قبل استئناف دورة التيسير وهي انخفاضاً مؤكداً ومتكرراً في التضخم العام والأساسي ، واستمرار استقرار سوق الصرف ، وهدوءاً أكبر في المخاطر الخارجية المرتبطة بالفائدة العالمية والطاقة والجغرافيا السياسية.
تابع : وبناءً عليه، فإن السيناريو الأكثر مهنية واتساقاً مع المعطيات الحالية هو تثبيت أسعار الفائدة، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً لخفض لاحق ، إذا أكدت بيانات التضخم القادمة أن المسار النزولي أصبح أكثر رسوخاً ، موضحا أن التثبيت هذه المرة ليس رفضاً للتيسير، بل تأجيل محسوب له ، فالبنك المركزي لا ينتظر فقط انخفاض رقم التضخم، بل ينتظر اطمئناناً أكبر إلى أن هذا الانخفاض قابل للاستمرار.

الاستقرار النقدي والمالي
ومن جانبها ترى الدكتورة شيماء وجيه الخبيرة المصرفية أن الاجتماع المرتقب للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يشكل أحد أكثر الاجتماعات أهمية خلال عام 2026، ليس فقط لارتباطه بتحديد أسعار الفائدة، وإنما لأنه يأتي في مرحلة بدأت فيها ملامح الاقتصاد المصري تتحول من إدارة الضغوط الاقتصادية إلى إدارة الاستقرار النقدي والمالي ، وهذه المرحلة بطبيعتها تتطلب قرارات أكثر دقة واتزانًا، تعتمد على قراءة متكاملة للمؤشرات الاقتصادية، بعيدًا عن الانحياز لمؤشر منفرد أو الاستجابة لتحركات الأسواق قصيرة الأجل.
أشارت “وجيه” إلى أنه خلال الأشهر الماضية نجحت السياسة النقدية في تحقيق قدر كبير من أهدافها، سواء من خلال احتواء الضغوط التضخمية، أو تعزيز استقرار سوق الصرف، أو دعم قوة الجهاز المصرفي، وهو ما منح البنك المركزي مساحة أكبر لإدارة أدواته النقدية وفق رؤية أكثر مرونة، مع استمرار الالتزام بالحفاظ على الاستقرار باعتباره الركيزة الأساسية لأي نمو اقتصادي مستدام.
لفتت إلى أن المرحلة الحالية تختلف بصورة جوهرية عن الفترات السابقة ، ففي وقت كانت الأولوية خلال الأعوام الماضية تتمثل في مواجهة التضخم وامتصاص الصدمات الخارجية واستعادة التوازن النقدي، أصبحت الأولوية الآن هي الحفاظ على المكتسبات التي تحققت وعدم التفريط فيها عبر قرارات متسرعة ، ومن هذا المنطلق، تبدو السياسة النقدية أكثر ميلًا إلى التريث، بما يسمح بتقييم أثر القرارات السابقة بصورة كاملة، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من التيسير النقدي.
وبحسب “وجيه” ، فإن معدلات التضخم لم تعد وحدها هي العامل الحاسم في تحديد اتجاه أسعار الفائدة، بل أصبح البنك المركزي يبني قراراته على قراءة شاملة تتضمن تطورات سوق الصرف، ومستويات السيولة بالنقد الأجنبي، وحجم الاحتياطيات الدولية، واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي، وأداء القطاع المصرفي، فضلًا عن التطورات الاقتصادية العالمية.
تابعت : هذا النهج يعكس نضجًا واضحًا في إدارة السياسة النقدية، حيث أصبح القرار يصدر وفق تقييم متوازن للمشهد الاقتصادي بالكامل، وليس استجابة لتغير مؤقت في أحد المؤشرات.
سوق النقد الأجنبي
أوضحت “وجيه” أن التحسن الذي شهدته سوق النقد الأجنبي خلال الفترة الأخيرة أسهم في تعزيز مرونة السياسة النقدية، بعدما انعكس على استقرار سوق الصرف، وتحسن قدرة البنوك على توفير العملات الأجنبية، وارتفاع مستويات الثقة في الاقتصاد المصري ، كما ساعدت الزيادة المستمرة في موارد النقد الأجنبي على تقليص الضغوط التي كانت تواجه السياسة النقدية، وهو ما يمنح البنك المركزي حرية أكبر في اختيار التوقيت المناسب لأي تعديل محتمل في أسعار الفائدة.
أشارت “وجيه” إلى أنه رغم الانخفاض الواضح في معدلات التضخم، فإن البنك المركزي لا يزال يتعامل مع هذا المؤشر بمنهج يتسم بالحذر، انطلاقًا من أن الهدف لا يقتصر على تسجيل معدلات أقل، وإنما ضمان استمرار هذا الاتجاه بصورة مستقرة، بما يحول دون عودة الضغوط التضخمية مرة أخرى ، ولذلك، فإن استمرار تراجع التضخم يمثل عاملا داعما للسياسة النقدية، لكنه لا يمثل وحده مبررا كافيا للانتقال السريع إلى دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة.
أضافت أنه رغم تحسن المؤشرات المحلية، فإن البيئة الاقتصادية العالمية لا تزال تتسم بدرجة من التقلب وعدم اليقين، سواء نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية، أو تقلبات أسعار الطاقة، أو اختلاف توجهات البنوك المركزية الكبرى ، ومن ثم، فإن الحفاظ على قدر مناسب من الحذر يظل أحد أهم مرتكزات السياسة النقدية خلال المرحلة الحالية، بما يضمن استمرار قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة أي متغيرات خارجية محتملة.
وبحسب “وجيه” ، فإنه في ضوء القراءة الحالية للمشهد الاقتصادي، يبدو أن الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يمثل الخيار الأكثر اتساقًا مع أولويات المرحلة، حيث يحقق عدة أهداف في آن واحد، من بينها ترسيخ استقرار الأسعار، والحفاظ على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين المحلية، ومنح السياسة النقدية فرصة إضافية لتقييم أثر القرارات السابقة على النشاط الاقتصادي.
استدامة تراجع التضخم
أضافت أنه في المقابل، لا يمكن استبعاد خفض محدود إذا رأت لجنة السياسة النقدية أن التطورات الأخيرة تؤكد استدامة تراجع التضخم، واستقرار سوق الصرف، واستمرار قوة التدفقات الأجنبية، بما يسمح ببدء تيسير نقدي تدريجي لا يخل بالتوازنات النقدية أو يضعف الثقة في الاقتصاد.
أكدت أن أهمية اجتماع لجنة السياسة النقدية غدا لن تقتصر على تحديد مستوى أسعار الفائدة، بل ستمتد إلى الرسائل التي سيتضمنها بشأن تقييمها للمخاطر المستقبلية، ورؤيتها لمسار التضخم، واتجاهات السياسة النقدية خلال النصف الثاني من العام.
“استنادا إلى القراءة الحالية للمشهد النقدي، فإن تثبيت أسعار الفائدة يظل السيناريو الأكثر ترجيحًا بنسبة تقارب 70%، في ظل رغبة البنك المركزي في ترسيخ الاستقرار النقدي واستكمال تقييم أثر دورة التيسير السابقة ، وفي المقابل، يرتفع احتمال خفض محدود لا يتجاوز 50 نقطة أساس إلى نحو 30% إذا خلصت لجنة السياسة النقدية إلى أن مسار التضخم أصبح أكثر استدامة، وأن قوة التدفقات الأجنبية واستقرار سوق الصرف يوفران مساحة آمنة لاتخاذ هذه الخطوة” ، بحسب “وجيه”.
تابعت : في تقديري، فإن البنك المركزي المصري لم يعد يدير أسعار الفائدة بمنطق التشديد أو التيسير، وإنما بمنطق إدارة التوازنات الاقتصادية ، فالقرار المرتقب سيكون امتدادًا لنهج يقوم على حماية مكتسبات الاستقرار النقدي، وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، وتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والإنتاج ، وهذا النهج يعكس تطورًا ملحوظًا في فلسفة السياسة النقدية المصرية، التي أصبحت أكثر اعتمادًا على القراءة الاستباقية للبيانات، وأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي المستدام.

تطورات الاقتصاد الكلي
ومن جانبها تتوقع إدارة البحوث المالية بشركة إتش سى للأوراق المالية والاستثمار أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر عقده غدا الخميس ، في ضوء آخر تطورات الاقتصاد الكلي المصري والأوضاع الجيوسياسية.
وقالت هبة منير، محلل الاقتصاد الكلي بالشركة إن الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي بدأت في 28 فبراير الماضي ، لا تزال تؤثر على الاقتصاد العالمي ومصر ، إلا أن استقرار الوضع الخارجي للاقتصاد المصري مع مرونة سعر الصرف مكن الاقتصاد من استيعاب تداعيات هذا الصراع بشكل جيد نسبياً حتى الآن.
توقعت أن يتحرك معدل التضخم في اتجاه عرضي بعض الشئ، بعد أن تباطأ إلى 14.6% على أساس سنوي و1.6% على أساس شهري في مايو مقارنة بأعلى مستوى له عند 15.2% على أساس سنوي و3.2% على أساس شهري في مارس، وهو المستوى الأعلى خلال الـ 14 شهراً الماضية، متأثراً بتداعيات الحرب على أسعار الطاقة وتراجع العملة.
أضافت :”بناءً على ذلك، ونظراً للمخاطر الجيوسياسية وتداعياتها على الموارد الدولارية لمصر، وتحديثنا لتقديرات التضخم، بالاضافة الي الحاجة إلى الحفاظ على جاذبية تدفقات رؤوس المال الأجنية لسوق أدوات الدين المصري، ومستهدفات عجز الموازنة، فإننا نتوقع أن تبقي لجنة السياسة النقدية أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقبل”.
نسبة الاحتياطي الإلزامي
في السياق ذاته توقع خبراء شاركوا في استطلاع أجرته وكالة رويترز أن يبقي البنك المركزي المصري أسعار الفائدة لليلة واحدة دون تغيير ، للمرة الثالثة على التوالي ، عندما تجتمع لجنة السياسة النقدية التابعة له غدا ، الخميس، في ظل الارتياح الناتج عن الانحسار النسبي للتوتر في المنطقة.
وبحسب رويترز ، لا تزال التهدئة التي يتيحها اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران غير كافية للسماح بخفض جديد للفائدة ، وأشار بعض المحللين إلى احتمال قيام البنك المركزي بخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي.
وتوقع جميع الخبراء الذين استطلعت رويترز آراءهم ، وعددهم 13 ، أن يظل العائد على الودائع لليلة واحدة عند 19% والعائد على الإقراض عند 2%.






