دكتور زكريا صلاح يكتب : دولار الاقتراض ودولار الاستدامة
إن أحد أهم مؤشرات النجاح هي قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الدولارية من موارده الذاتية

ساعدت برامج الاصلاح الاقتصادي خلال الفترة الماضية على تنفيذ إصلاحات مهمة في سعر الصرف والسياسة النقدية وتطوير أدواتها وإدارة المالية العامة، إلا أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تمثل في حد ذاتها نموذجاً اقتصادياً مستداماً، بل مجرد تهيئة البيئة اللازمة لهذا النموذج.
فالاقتصاد لا يصبح قوياً بالاقتراض ولكن بالانتاج والتصدير وجذب استثمارات حقيقية، وخلق قيمة مضافة، وتوليد عملة أجنبية بصورة مستدامة، أي تصبح الحاجة ملحة إلي الانتقال من اقتصاد يعتمد على التمويل إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج، والتحول من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، ومن البحث عن مصادر تمويل خارجية إلى بناء مصادر دخل مستدامة.
إن الأمر يتطلب التركيز على عدة محاور استراتيجية يمكن من خلالها بناء “ملاذات آمنة” اقتصادية ومالية تقلل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي تتمثل فيما يلي:
تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، خاصة في الصناعات الإستراتيجية.
زيادة الصادرات الصناعية والزراعية والخدمية لتصبح المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي.
جذب استثمارات أجنبية مباشرة تستهدف الإنتاج والتصدير، وليس فقط الاستثمار في الأصول أو أدوات الدين.
رفع إنتاجية الاقتصاد من خلال التكنولوجيا والابتكار والتعليم والتدريب.
توسيع دور القطاع الخاص باعتباره المحرك الأساسي للنمو والتشغيل.
بناء إدارة مالية أكثر انضباطاً تسمح بخفض الدين تدريجياً وتقليل تكلفة خدمته والتسعير المناسب والمنضبط لأدوات الدين الخارجي.
الاستمرار في بناء الاحتياطيات من النقد الأجنبي مما يقلل الحاجة إلى التمويل الطارئ.
إن أحد أهم مؤشرات النجاح هي قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته الدولارية من موارده الذاتية ، فالدول التي حققت قفزات اقتصادية كبرى، مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفيتنام، لم تصل إلى ذلك لأنها اقترضت أكثر، وإنما لأنها بنت اقتصادات قادرة على خلق القيمة، وتعظيم الإنتاجية، وتحويل المعرفة إلى صادرات، والاستثمار إلى فرص عمل.
وتمتلك مصر مقومات مهمة تؤهلها لتحقيق تحول مماثل .. موقع جغرافي، وسوق محلية كبيرة، وبنية تحتية حديثة، واتفاقيات تجارية واسعة، وقطاعاً خاصاً لديه القدرة على النمو إذا توافرت البيئة المناسبة، لكن هذه المقومات لن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية إلا إذا أصبحت جزءاً من رؤية طويلة الأجل تركز على التنافسية والإنتاجية والاستدامة، وليس فقط على تحقيق مؤشرات مالية قصيرة الأجل.
إن كل دولار يأتي من الصادرات الصناعية والزراعية الخدمات ، مثل تكنولوجيا المعلومات، والتعهيد، والخدمات اللوجستية، هو دولار أكثر استدامة من دولار يأتي عبر الاقتراض، والتركيز على المستثمر الذي يبني مصنعاً أو مركزاً لوجستياً أو مشروعاً إنتاجياً، وليس المستثمر الذي يدخل سوق أدوات الدين قصيرة الأجل ، والعمل بصورة مستمرة علي رفع إيرادات السياحة ، وتحفيز تحويلات المصريين بالخارج أكثر مصادر النقد الأجنبي استقراراً، من خلال أدوات ادخارية واستثمارية جاذبة للمصريين في الخارج، وكلما زادت نسبة التصنيع المحلي، انخفضت فاتورة الواردات، وبالتالي انخفض الطلب على الدولار، وتنشيط البورصة وتمويل الشركات من خلال أسواق رأس المال يقلل الاعتماد على الاقتراض المصرفي والخارجي، والاهم من ذلك خاصة فى اولويات المرحلة الحالية والقادمة إدارة الدين العام، والشراكات الاستثمارية بديلاً عن الاقتراض.
وكلما أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار وخلق فرص العمل، تراجعت الحاجة إلى التمويل الخارجي ، ويصبح اللجوء إلى الاقتراض الخارجي قرارًا استثنائيًا مرتبطًا بمشروعات تنموية محددة، وليس وسيلة متكررة لمعالجة اختلالات هيكلية أو سد فجوات تمويلية.
نحن على موعد مع انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، ويجب ألا يُنظر إلي هذا الانتهاء علي أنها كانت أزمة مؤقتة، بل بداية مرحلة جديدة من بناء اقتصاد أكثر استقلالاً وقدرة على الصمود، والنجاح الحقيقي هو أن تصبح الدولة قادرة على الاستمرار دون الحاجة إلى برنامج جديد أو تمويل استثنائي كل بضع سنوات.
وعندما يصبح الاعتماد على الذات هو القاعدة، والاقتراض الخارجي هو الاستثناء، والإنتاج هو المحرك الرئيسي للنمو، عندها فقط يمكن القول إن الاقتصاد المصري قد انتقل من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة التنمية المستدامة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
والله من وراء القصد،،،
دكتور زكريا صلاح الجندي
خبير إدارة المخاطر والحوكمة فى المؤسسات المالية






