محمد عبد العال يكتب : لماذا يظل تثبيت فائدة الجنيه هو السيناريو الأقرب؟

التثبيت هذه المرة ليس رفضاً للتيسير بل تأجيل محسوب له فالبنك المركزي لا ينتظر فقط انخفاض التضخم بل ينتظر اطمئناناً أكبر لأن هذا الانخفاض قابل للاستمرار

قبل أقل من 48 ساعة على اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري ، تبدو أغلب المؤشرات المحلية ظاهرياً داعمة لبدء التيسير النقدي، لكن القراءة المهنية المتكاملة ترجح بوضوح استمرار البنك المركزي في تثبيت أسعار الفائدة.

هناك شواهد محلية تميل لصالح الخفض وهي:

توقعات أغلب المحللين تشير إلى احتمال انخفاض التضخم في يونيو.

مؤشر مديري المشتريات تراجع إلى 46 نقطة في يونيو مقابل 47.1 في مايو، ليسجل انكماشاً للشهر السادس على التوالي، بما يعكس ضعف الطلب والقوة الشرائية داخل القطاع الخاص غير النفطي.

الجنيه المصري واصل تحسنه ليتداول دون مستوى 49 جنيهاً للدولار، وهو تطور إيجابي يعكس تحسن الثقة وتراجع الضغوط على سوق الصرف، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي أسعاراً حول 48.74 للشراء و48.88 للبيع.

مؤشرات تحسن البورصة المصرية، وتوقعات حصول مصر على شريحة تمويل أوروبية بقيمة 1.5 مليار يورو خلال الأيام المقبلة، بما يدعم السيولة الخارجية ويعزز حالة الاطمئنان النسبي.

لكن في المقابل، لا تزال هناك عوامل قوية تدفع البنك المركزي إلى التريث وهي:

التضخم، حتى لو انخفض في يونيو، لا يزال أعلى من المستوى الذي يسمح بخفض مبكر ومريح للفائدة.

الأسواق العالمية لم تدخل بعد مرحلة تيسير واضحة، مع استمرار حساسية الفيدرالي الأمريكي لتوقعات التضخم وارتفاع توقعات التضخم قصيرة الأجل في الولايات المتحدة خلال يونيو.

الارتفاع الهامشي في أسعار النفط اليوم، حتى لو لم يكن مؤثراً وحده، يذكر لجنة السياسة النقدية بأن مخاطر الطاقة والجغرافيا السياسية لم تختف تماماً، وأن أي خفض مبكر قد يكون سابقاً لأوانه إذا عادت أسعار السلع أو تكاليف الشحن للضغط على الأسعار.

الإشارة الأهم محلياً:

رفع بنك CIB العائد على الشهادة الثلاثية الثابتة إلى 18% اعتباراً من 7 يوليو الجاري ، بعد أن كان طرحه السابق حول 17.5%، وبما يجعله متسقاً مع اتجاه البنوك العامة وربما أعلى في بعض الشرائح.

هذه الخطوة، الصادرة قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية، لا يمكن قراءتها كإشارة إلى خفض وشيك، بل كتحوط مصرفي واضح لاستمرار أسعار العائد المرتفعة لفترة أطول، أو على الأقل عدم توقع خفض قريب ومؤثر.

سؤال المنهج الإعلامي إذا كان التضخم سيتراجع فلماذا لا يخفض المركزي الفائدة؟ لكن السؤال الأدق هل أصبح تراجع التضخم مستداماً بما يكفي لبدء خفض جديد دون الإضرار بسعر الصرف وجاذبية الجنيه وتدفقات الاستثمار غير المباشر؟

والإجابة الأقرب: ليس بعد.

لذلك، فإن تثبيت الفائدة في اجتماع الخميس لا ينبغي تفسيره كتشدد نقدي جديد، بل كوقفة تقييم محسوبة.

البنك المركزي غالباً يريد أن يرى 3 أمور قبل استئناف دورة التيسير وهي:

انخفاضاً مؤكداً ومتكرراً في التضخم العام والأساسي.

استمرار استقرار سوق الصرف.

هدوءاً أكبر في المخاطر الخارجية المرتبطة بالفائدة العالمية والطاقة والجغرافيا السياسية.

بناءً عليه، السيناريو الأكثر مهنية واتساقاً مع المعطيات الحالية هو تثبيت أسعار الفائدة، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً لخفض لاحق ، إذا أكدت بيانات التضخم القادمة أن المسار النزولي أصبح أكثر رسوخاً.

الخلاصة:

التثبيت هذه المرة ليس رفضاً للتيسير، بل تأجيل محسوب له ، فالبنك المركزي لا ينتظر فقط انخفاض رقم التضخم، بل ينتظر اطمئناناً أكبر إلى أن هذا الانخفاض قابل للاستمرار.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى