دكتور زكريا صلاح يكتب : التمويل المسؤول والاستدامة المالية للأفراد
المفهوم الجديد من الحماية المالية الواجب تبنيه من قبل المؤسسات المالية والجهات الرقابية

شهد القطاع المالي خلال السنوات الماضية تحولًا ملحوظاً في عدد المؤسسات المالية غير المصرفية ، وبصفة خاصة تزايد عدد شركات التمويل الاستهلاكي ، التي لم تعد تركز فقط علي إتاحة التمويل بل تركز على تسهيل الحصول عليه وسرعة منحه.
ومع التوسع في الشمول المالي والتمويل الرقمي وزيادة معدلات النمو فى محافظ قروض هذه الشركات فى مجالات التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر والتمويل العقاري وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة ، أصبح من الضرورى إعادة النظر في طريقة والإجراءات المتعلقة بعملية منح الائتمان وقدرة بعض العملاء على تحمل أعباء الديون المتزايدة، وضرورة تبني هذه الشركات لمفهوم التمويل المسؤول ، باعتباره أحد أهم المبادئ الحديثة في الرقابة المالية وحماية العملاء المقترضين ، حتى لا تتحول المحافظ الى محافظ متعثرة ، ويتم إتخاذ الإجراءات غير المرغوبة ضد العملاء وتتزايد فئة الغارمين والغارمات.
إن ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية وزيادة الأعباء المعيشية أدى إلى ظهور تحدٍ جديد يتمثل في المخاطر الاجتماعية للمديونية المفرطة، حيث أصبح من المتوقع مواجهة العملاء لصعوبة في الوفاء بالتزاماتهم المالية ، رغم انتظامهم السابق في سداد الالتزامات.
فالهدف لم يعد مجرد منح التمويل وتسهيل الحصول عليه فى أقصر وقت، بل التأكد من أن التمويل مناسب لاحتياجات العميل، ويتوافق مع قدرته على السداد، ولا يؤدي إلى مديونية مفرطة، ويحقق منفعة حقيقية للعميل والمجتمع ، وهو ما يعرف بالتمويل المسؤول أي “منح التمويل للعميل بعد التحقق من قدرته الحقيقية على السداد وفهمه الكامل للالتزامات المترتبة عليه، بما يحقق مصلحته ويحافظ على استقراره المالي والاجتماعي.
وبالتالي فإن المسؤولية لا تقع على العميل وحده، بل تمتد إلى المؤسسة المانحة للتمويل، والجهة الرقابية، وشركات الاستعلام الائتماني، ومنظومة التوعية المالية.
ينبغي على المؤسسات المالية غير المصرفية قبل المنح التحقق من الدخل الفعلي ومراجعة الالتزامات القائمة واستخدام قواعد البيانات الائتمانية وتقييم عبء الدين الكلي ، وأثناء التمويل التواصل الدوري مع العميل ورصد مؤشرات التعثر المبكر ، وقبل التعثر دراسة إعادة الجدولة وتخفيض الأقساط ومنح فترات سماح.
ويجب علي الجهة الرقابية الانتقال من مفهوم حماية المؤسسة المالية إلى مفهوم حماية الاستدامة المالية للعميل ، وذلك من خلال التأكيد علي وضع حدود للمديونية ، وتحديد سقوف إرشادية أو إلزامية لنسبة خدمة الدين إلى الدخل ، والرقابة على التمويل المسؤول ، من خلال إدراج مؤشرات التمويل المسؤول ضمن تقييم المؤسسات ، والقيام باختبارات الضغوط لقياس أثر التضخم وانخفاض الدخول وفقدان الوظائف على قدرة العملاء على السداد ، وإعداد وتطبيق مؤشرات الإنذار المبكر للعملاء المعرضين للمديونية المفرطة.
لقد كان الهدف الرئيسي في المرحلة السابقة زيادة عدد العملاء الممولين ، أما الأن ومستقبلاً فينبغي أن يصبح الهدف زيادة عدد العملاء القادرين على السداد بصورة مستدامة ، وأن يتم تبني مبدأ جديدا للرقابة المالية تحت مسمى التمويل المسؤول والاستدامة المالية للأفراد ، بحيث يتم قياس نجاح المؤسسات ليس فقط بحجم المحافظ التمويلية أو عدد العملاء، وإنما أيضًا بمؤشرات مثل معدل المديونية المفرطة ومعدل إعادة الهيكلة ونسبة خدمة الدين للعملاء ومؤشر الرفاهة المالي.
إن التمويل المسؤول يمثل المفهوم الجديد من الحماية المالية الواجب تبنيه من قبل المؤسسات المالية والجهات الرقابية، حيث لا يقتصر هذا المفهوم على حماية أموال المؤسسات أو المستثمرين، بل يمتد إلى حماية العميل نفسه من الوقوع في دائرة الديون غير المستدامة.
وبالتالي فإن تضمين الشمول المالي مفهوم التمويل المسؤول ثم الوصول إلي مستوي الرفاهة المالية يجب أن يمثل المسار الطبيعي لتطور القطاع المالي خلال السنوات المقبلة، ويعزز الاستقرار المالي والاجتماعي في آن واحد لأن التمويل الجيد هو التمويل الذي يستطيع العميل سداده دون أن يفقد استقراره المالي أو كرامته.
والله من وراء القصد،،،
دكتور زكريا صلاح الجندي
الخبير المصرفي





