محمد عبد العال يكتب : قراءة في دوافع تثبيت فائدة الجنيه والسيناريوهات المستقبلية
يثبت البنك المركزي المصري بقراره الأخير أنه يتقن إدارة السياسة النقدية الذكية

كما كان متوقعاً، اختارت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري في اجتماعها يوم الخميس الماضي السير في مسار “التحوط الحذر”، معلنة تثبيت أسعار الفائدة الأساسية عند مستويات 19.00% للإيداع و20.00% للإقراض ، هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابة حتمية لمتغيرات بالغة التعقيد.
فعلى الصعيد العالمي، يواجه العالم موجة جديدة من إعادة تسعير مخاطر التضخم بعد قفزة أسعار الطاقة بنسبة تقترب من 18%، وهو ما دفع الفيدرالي الأمريكي لتبني لغة متشددة وتأجيل خطط خفض الفائدة إلى النصف الثاني من عام 2027، مما أدى لارتفاع عوائد السندات الأمريكية لمستويات قياسية.
ومحلياً، ورغم نجاح المركزي في كبح التضخم ليتراجع تحت مستويات 15% بفضل التدفقات الدولارية والاحتياطي المريح الذي تجاوز 53 مليار دولار، إلا أن الضغوط الجيوسياسية المستعرة في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على سلاسل الإمداد وموارد النقد الأجنبي جعلت من خفض الفائدة في الوقت الحالي مخاطرة غير مأمونة العواقب على استقرار سعر الصرف.
لقد فضّل صانع السياسة النقدية الاحتفاظ بـ “مصدات أمان” قوية والوقوف في منطقة ترقب، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام.
لكن إلى أين يمضي هذا المسار؟.
الخارطة المستقبلية لقرارات المركزي لا تخرج عن 3 سيناريوهات حاسمة تحكم المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: “التريث الحذر” .. ويمثل هذا السيناريو استمراراً للسياسة الحالية ، مع عناد التضخم العالمي وبقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، لن يندفع المركزي المصري نحو التيسير النقدي أو خفض الفائدة قريباً ، فالأولوية القصوى هنا هي الحفاظ على جاذبية الأصول المحلية بالجنيه، وضمان وجود “علاوة مخاطر” كافية تمنع خروج رؤوس الأموال وتحافظ على استقرار سوق الصرف حول مستوياته الحالية 52-53 جنيهاً للدولار.
هذا السيناريو يعني استقراراً طويلاً لأسعار الفائدة الحالية لعدة اجتماعات قادمة لضمان امتصاص أي صدمات خارجية.
السيناريو الثاني: “التشديد الوقائي” .. وهو سيناريو الاضطرار ، فإذا ما اتسعت رقعة الصراع العسكري الإقليمي، وترجمت قفزات الطاقة العالمية إلى “تضخم مستورد” يضغط على الأسواق المحلية لترتفع أرقام التضخم العام والأساسي مجدداً بعيداً عن مستهدفات المركزي للربع الأخير من العام 7% ± 2% فإن اللجنة لن تتردد في العودة إلى رفع أسعار الفائدة بواقع 100 إلى 200 نقطة أساس ، والهدف هنا سيكون كبح التوقعات التضخمية وحماية القوة الشرائية، حتى لو كان ذلك على حساب تكلفة التمويل.
السيناريو الثالث: “استئناف التيسير الحذر” .. على الجانب الآخر من المعادلة، يقف هذا السيناريو مدفوعاً بتباعد الضغوط التضخمية المحلية وظهور بوادر تباطؤ في نمو الناتج المحلي الإجمالي ،الذي سجل 5.0% في الربع الأول.
إن استمرار الفائدة عند 20% يمثل عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة ، خدمة الدين ، وعلى نشاط القطاع الخاص.
إذا استقرت الأوضاع الجيوسياسية وضمن المركزي استقرار التضخم عند مستويات آمنة، قد نشهد بدء خفض تدريجي وبطيء للفائدة في أواخر هذا العام أو مطلع العام القادم، كجرعة تنشيطية للاستثمار والنمو الاقتصادي.
في النهاية، يثبت البنك المركزي المصري بقراره الأخير أنه يتقن إدارة السياسة النقدية الذكية.
إنها مرحلة إدارة المخاطر بامتياز ، حيث تصبح المحافظة على المكتسبات واستقرار الأسعار مقدمة على أي طموحات توسعية سريعة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





