محمد عبد العال يكتب : التضخم يفاجئ السوق المصرية .. هل بدأ الاقتصاد امتصاص الصدمات الخارجية؟
بعدما تراجعه رغم بيئة إقليمية ودولية كانت تبدو مهيأة تماماً لعودة الضغوط التضخمية بقوة

جاءت بيانات التضخم المصرية الأخيرة لتفاجئ الأسواق والمؤسسات الدولية، بعدما تباطأ معدل التضخم السنوي في المدن إلى 14.9% خلال أبريل، مقابل 15.2% في مارس، رغم بيئة إقليمية ودولية كانت تبدو مهيأة تماماً لعودة الضغوط التضخمية بقوة.
المفاجأة لم تتوقف عند المعدل السنوي فقط، بل امتدت أيضاً إلى التضخم الشهري الذي تراجع بصورة لافتة من 3.2% إلى 1.1%، في إشارة مهمة إلى تباطؤ الزخم التضخمي الفعلي داخل الاقتصاد، رغم ارتفاع أسعار الوقود، الضغوط التي تعرض لها الجنيه مؤخراً، الاضطرابات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإقليمية، والمخاوف المتعلقة بالطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وكانت أغلب التوقعات، سواء محلياً أو دولياً، تميل إلى سيناريو معاكس تماماً، خصوصاً مع تحذيرات مؤسسات دولية وبنوك استثمار كبرى من احتمال عودة التضخم للصعود خلال الأشهر المقبلة، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والسلع المستوردة.
وجاء تباطؤ معدل التضخم الأساسي محققاً ذات المفاجأة، حيث سجل 13.8% خلال أبريل مقابل 14% خلال مارس الماضي، وهذا يعني أن قوة الدفع التضخمية الفعلية كانت أضعف بكثير مما كان متوقعاً.
أحد أهم التفسيرات وراء ذلك يتمثل في دخول الاقتصاد مرحلة “إرهاق الطلب” ، بعد فترة طويلة من التضخم المرتفع الذي أضعف القوة الشرائية للأسر، وقلّص الاستهلاك الفعلي، ودفع قطاعات واسعة من المستهلكين إلى تأجيل الإنفاق غير الضروري ، ولم يعد التجار والشركات قادرون على تمرير زيادات سعرية جديدة بنفس السهولة السابقة، خوفاً من تراجع المبيعات وانكماش الطلب.
هنا تبرز أهمية التراجع الكبير الذي شهده مؤشر مديري المشتريات PMI مؤخراً، والذي عكس تباطؤ الطلبات الجديدة وضعف النشاط الإنتاجي وحالة الحذر داخل القطاع الخاص.
فالمؤشر لا يعكس فقط تباطؤ النشاط الاقتصادي، بل يكشف أيضاً أن الاقتصاد بدأ يفقد جزءاً من “الزخم التضخمي المدفوع بالطلب”، ليصبح التضخم الحالي أقرب إلى “تضخم تكاليف” مرتبط بالطاقة وسعر الصرف ومتطلبات ضبط المالية ، والعوامل الخارجية، وليس تضخماً ناتجاً عن سخونة الاقتصاد أو قوة الاستهلاك المحلي.
في الوقت نفسه، وهذا هو اهم العوامل ، بدأت السياسة النقدية المشددة تؤتي ثمارها تدريجياً، بعدما ساهمت أسعار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة في سحب السيولة، وتقليص الائتمان الاستهلاكي، والحد من المضاربات، وهو ما انعكس تدريجياً على وتيرة الأسعار ومن المعروف ان ظهور فاعلية السياسة النقدية – خاصة فى شق رفع أسعار الفائدة – تاخذ وقت اطول نسبياً لتظهر آثارها على الأسواق والاقتصاد .
كما يبدوا أن الأسواق ربما بالغت في تسعير تداعيات الحرب الإقليمية، وكأن المنطقة كانت تتجه إلى صدمة ممتدة في الطاقة والتجارة العالمية، خاصة مع المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز ، لكن مع تراجع احتمالات التصعيد وهدوء الأوضاع نسبياً، بدأت “علاوة الخوف” التي سيطرت على الأسواق في التراجع سريعاً.
هذا التطور يحمل عدة دلالات مهمة، أبرزها أن سوق الصرف المصري أصبح أكثر مرونة في امتصاص الصدمات مقارنة بالماضي، حيث يرتفع الدولار سريعاً مقابل الجنيه المصري مع تصاعد التوترات، ثم يعود للتراجع بمجرد انحسار المخاطر، وهو ما يمثل اختباراً مهماً لسياسة سعر الصرف المرن التي يراقبها صندوق النقد الدولي والأسواق الدولية عن كثب ، وهو الأمر الذى يعنى أن تراجع الدولار وانخفاض النفط عالمياً قد يخففان الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة، سواء عبر خفض تكلفة الواردات أو تقليل أعباء الطاقة والشحن والتأمين.
وفي حال استمرار التهدئة الإقليمية وتراجع أسعار النفط بصورة مستقرة، فقد يشهد التضخم المصري مساراً نزولياً أكثر وضوحاً خلال النصف الثاني من العام، وربما يقترب تدريجياً من مستويات تتراوح بين 12% و13% على المدى المتوسط، بشرط عدم حدوث صدمات جديدة في سعر الصرف أو زيادات كبيرة إضافية في الأسعار الإدارية.
ورغم التحسن الأخير، فإن معركة التضخم لم تنتهِ بعد. فما زالت هناك ضغوط كامنة مرتبطة بالخدمات والطاقة وبعض الإصلاحات السعرية المؤجلة، إلى جانب حساسية الاقتصاد المصري للتقلبات العالمية وتحركات رؤوس الأموال الأجنبية.
وقد يكون الاستمرار فى تعليق دورة التيسير النقدى والإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير حالياً هو الخيار الأكثر اتزاناً، لضمان استمرار تراجع التضخم بصورة مستدامة، دون المخاطرة بإرسال إشارات مبكرة بأن المعركة ضد التضخم قد انتهت.
وقد يكون هناك ضوء أخضر لإمكانية إبقاء مستهدفات البنك المركزى كما هى ، ولكن مع تمديد الأفق الزمنى لتحققه لفترة مناسبة أبعد ، وقد ينسجم هذا التوجه مع رؤية البنك المركزي التي أصبحت أكثر ميلاً لتحقيق توازن بين مكافحة التضخم والحفاظ على معدلات نمو مقبولة.
الخلاصة
إن ما حدث في بيانات أبريل لا يعني انتهاء الضغوط التضخمية بالكامل، لكنه يمثل إشارة مهمة إلى أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية مقارنة بالفترات السابقة، وأن السياسة النقدية تحقق بديناميكية ومرونة نتائج إيجابيّة ومتميزة ملموسة، حتى في ظل واحدة من أكثر البيئات الإقليمية والدولية تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





