محمد عبد العال يكتب : قراءة في مفاجأة رفع العائد على شهادتي البلاتينية والقمة
بين تلبية احتياجات العملاء واستباق التضخم

في خطوة تعكس مرونة واضحة في إدارة السيولة، أعلن كل من البنك الأهلي المصري وبنك مصر رفع العائد على الشهادات الثلاثية ذات العائد الثابت إلى 17.25%، مع التأكيد على أن القرار يأتي في إطار الحرص على تقديم أوعية ادخارية تلائم احتياجات مختلف شرائح المجتمع.
غير أن قراءة أوسع لهذا القرار تُظهر أنه لا يتعارض مع هذا التبرير، بل يكمله ويضيف إليه أبعادًا نقدية واقتصادية أكثر عمقًا، خاصة في توقيت تتسم فيه السياسة النقدية بدرجة من “التعليق التكتيكي” من جانب لجنة السياسة النقدية.
ولمزيد من إلقاء الضوء على قرار البنكين، دعونا نتأمل المحاور التالية:
الجمع بين البُعد الاجتماعي والبُعد النقدي:
إن رفع العائد يخدم بالفعل شريحة واسعة من المدخرين، خصوصًا في ظل الضغوط التضخمية، حيث يوفر أداة لحماية القوة الشرائية ، لكن في الوقت نفسه، فهو يعكس قراءة استباقية لاحتمالات استمرار التضخم ، ويعمل كأداة امتصاص سيولة دون انتظار قرار رسمي.
بمعنى أدق: القرار ليس فقط لخدمة العملاء، بل أيضًا لحماية الاستقرار النقدي.
لماذا الآن؟
التوقيت يحمل دلالات مهمة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم مؤخرًا ، توقع استمرار الضغوط نتيجة أسعار الطاقة وسعر الصرف ، والارتفاع النسبي الحالي في عوائد أوراق الدين العام ، وهو ما يوفر بيئة مواتية لتحرك البنوك في إعادة تسعير بعض أوعيتها الادخارية، في إطار إدارة متوازنة للسيولة دون الإخلال بالاستقرار المالي.
هل يتعارض ذلك مع سياسة التيسير النقدي؟
ليس بالضرورة .. فما نشهده حاليًا هو تيسير مُقيّد أو انتقائي، حيث يتم تعليق خفض الفائدة رسميًا ، استخدام أدوات سوقية لضبط السيولة والتوقعات التضخمية ، إمكانية انعقاد لجنة السياسة النقدية استثنائيًا في أي وقت لاتخاذ ما تراه مناسبًا وفقًا لتطور الظروف والأحداث.
التأثير على القطاع المصرفي:
القرار مرشح لأن يقود إلى تحركات مماثلة من البنوك الأخرى ، إعادة تسعير تدريجية للأوعية الادخارية ، وزيادة تكلفة الأموال بشكل محسوب.
لكن في المقابل، تظل البنوك قادرة على التوازن، مدعومة بارتفاع عوائد أدوات الدين الحكومي وارتفاع الطلب على أنشطة التمويل في ظل أسعار الإقراض القائمة.
إعادة تشكيل خريطة الاستثمار:
رفع العائد على الشهادات يعيد ترتيب أولويات المستثمرين ، حيث تصبح المدخرات البنكية أكثر جاذبية ، بعض التراجع المتوقع في الطلب الاستثماري على العقار ، توازن جديد في سوق الذهب ، وضغوط نسبية على صناديق الاستثمار قصيرة الأجل.
إلى أين تتجه السياسة النقدية؟
المؤشرات الحالية ترجح استمرار الحذر ، الاعتماد على أدوات غير مباشرة ، وتأجيل قرارات الحسم لحين وضوح مسار التضخم.
محمد عبد العال
خبير مصرفي





