محمد عبد العال يكتب : لماذا يصبح تثبيت الفائدة من جانب البنك المركزي المصري القرار الأكثر حكمة؟

في هذه المرحلة لا تواجه لجنة السياسة النقدية تضخماً تقليدياً يمكن التعامل معه بأدوات تقليدية بل تواجه صدمة مركبة من الطاقة وسعر الصرف وعدم اليقين العالمي

ليس كل قرار بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يُعد حياداً، في بعض اللحظات، يكون الإبقاء على الوضع القائم هو القرار الأكثر حكمة، لأنه يعكس اتزاناً في التقدير ودقة في اختيار التوقيت.

في زمن تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد مع تطورات جيوسياسية دولية وإقليمية، تواجه لجنة السياسة النقدية المنبثقة عن مجلس إدارة البنك المركزي المصري واحداً من أدق قراراتها خلال عام 2026

فاجتماع اللجنة يوم الخميس القادم، الثاني من أبريل، لا يأتي فقط في ظل احتمالات تولد ضغوط تضخمية داخلية، بل تواجه أيضاً بيئة عالمية مضطربة تتأرجح بين احتمالات التصعيد العسكري من ناحية وبوادر التهدئة من ناحية أخرى، بينما يظل العامل الحاكم هو عدم اليقين.

لم يعد السؤال التقليدي مطروحاً: هل تتجه اللجنة إلى رفع أو خفض أو تثبيت الفائدة؟ بل أصبح السؤال الأهم ، كيف تدير اللجنة حالة عدم اليقين؟.

وللاقتراب من الإجابة، يمكن تفكيك المشهد عبر خمسة عوامل رئيسية:

أولاً: تضخم مدفوع بالتكلفة لا بالطلب:

من المرجح أن تسجل معدلات التضخم ارتفاعات ملحوظة خلال الفترة المقبلة، مدفوعة بارتفاع التكلفة، وعلى رأسها زيادة أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 14% و30%. هذه الزيادة تمثل صدمة تكلفة تنتقل عادة عبر 3 موجات ، من النقل والخدمات، إلى الإنتاج الصناعي، ثم إلى الغذاء والسلع الاستهلاكية ، ومن المتوقع أن تضيف هذه الصدمة ما بين 2 إلى 3 نقاط مئوية للتضخم، في ظل ارتفاع أسعار النفط عالمياً وتراجع سعر صرف الجنيه، الأمر الذي يرفع فاتورة الاستيراد.

النقطة الجوهرية أن هذا النوع من التضخم لا ينتج عن طلب زائد، بل عن ارتفاع التكاليف، وهو ما يضع مخططو السياسة النقدية لدى معظم البنوك المركزية أمام معضلة كلاسيكية مرتبطة باستخدام أداة غير مصممة لهذا النوع من التضخم ، ورفع الفائدة في مثل تلك الحالات لن يخفض معدلات التضخم، بل قد يزيد من تكلفة الإنتاج والتمويل وبالتالي المزيد من سلسلة الضغوط التضخمية المحتملة.

ثانياً: سعر الصرف .. ضغوط قابلة للانعكاس:

يواجه الجنيه المصري ضغوطاً نسبية مع اقتراب الدولار من مستوى 53 جنيهاً، وهو ما يعكس تحديات حقيقية، سواء من خلال تكلفة الواردات أو خروج بعض الاستثمارات قصيرة الأجل ، لكن هذه الضغوط تظل قابلة للانعكاس والتصحيح باعتبارها مرتبطة بدرجة كبيرة بتدفقات رأسمالية سريعة التأثر بالثقة العالمية، أكثر من ارتباطها بأساسيات الاقتصاد فقط ، وأي تحسن في البيئة الدولية قد ينعكس سريعاً على تدفقات النقد الأجنبي، ومن ثم على استقرار الجنيه واسترداد مكاسبه التي فقدها عبر أحداث أزمة الحرب.

ثالثاً: بيئة عالمية مشددة .. ولكن غير متجانسة:

تشير تقديرات المؤسسات المالية الدولية إلى استمرار اتجاه التشديد النقدي عالمياً، في ظل الضغوط التضخمية ومخاوف الركود التضخمي. تثبيت الفائدة الأمريكية يعني استمرار قوة الدولار، وهو ما يمثل ضغطاً على الأسواق الناشئة.

لكن تطبيق نفس النهج محلياً في مصر ليس بالضرورة الخيار الأمثل، نظراً لاختلاف طبيعة التضخم، ما بين تضخم طلب في الاقتصادات المتقدمة وتضخم تكلفة في الحالة المصرية.

رابعاً: العامل الحاسم… الجغرافيا السياسية وتمديد عدم اليقين:

يبقى العامل الأكثر حسماً هو مسار التوترات الجيوسياسية، خاصة في ضوء التطور الأخير المتمثل في معاودة تكرار تمديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمهلة المرتبطة بالأزمة، وهو ما يعكس أن سيناريو الحسم السريع لا يزال مؤجلاً ، وهذا التمديد لا يعني تهدئة كاملة، بل يطيل أمد حالة يمكن وصفها بـ “عدم اليقين المنظم والممتد”، حيث تبقى الأسواق عالقة بين احتمالات التصعيد والانفراج.

وتزداد حساسية هذا المشهد بالنظر إلى مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية ، وأي اضطراب في حركة الملاحة قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم محلياً وعالمياً.

في هذا السياق، يصبح من الصعب على صانع السياسة النقدية اتخاذ قرار حاسم بالتشديد أو التيسير، في ظل بيئة لم تُحسم اتجاهاتها بعد.

خامساً: تفنيد السيناريوهات

الرهان على رفع الفائدة يرتكز على مواجهة التضخم ودعم الجنيه ، لكن الواقع أن التضخم تضخم تكلفة وليس طلب ، ورفع الفائدة لن يعالج جذور المشكلة ، قد يزيد من أعباء التمويل والتكلفة.

الرهان على خفض الفائدة يستند إلى توقعات تضخم معتدلة نسبياً ودعم النم ، لكن التضخم مرشح للارتفاع ، وحالة عدم اليقين مرتفعة ، والأسواق تحتاج استقراراً لا مفاجآت.

إذن… ما السيناريو الأقرب؟

في ضوء ما سبق، يصبح السيناريو الأكثر ترجيحاً هو التجميد ، بمعنى التثبيت، لأسعار الفائدة ، لكن الفارق هنا جوهري ، فالتثبيت يعكس موقفاً محايداً ، بينما التجميد يعكس موقفاً حذراً مؤقتاً، يؤجل القرار لحين اتضاح الرؤية ، وهو ما يحقق تجنب تشديد غير ضروري ، الحفاظ على استقرار السوق ، إبقاء المرونة للتحرك لاحقاً.

الخلاصة:

في هذه المرحلة، لا تواجه لجنة السياسة النقدية الموقرة تضخماً تقليدياً يمكن التعامل معه بأدوات تقليدية، بل هي تواجه ، أسوة بكل البنوك المركزية في معظم أرجاء العالم، صدمة مركبة من الطاقة وسعر الصرف وعدم اليقين العالمي ، ومن ثم، فإن التريث و”التجميد بطعم التثبيت” قد يكون هو القرار الأكثر تفضيلاً ، لأنه يجمع بين الاتزان في التقدير ودقة في اختيار التوقيت، في ظروف بالغة التعقيد.

محمد عبد العال

خبير مصرفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى