دكتورة شيماء وجيه تكتب عن .. تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري
أولويات الإصلاح الاستثماري ودعم ريادة الأعمال كمحرك للنمو المستدام

تشهد بيئة الاستثمار في مصر مرحلة متقدمة من التحولات الاقتصادية التي تستهدف تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني ورفع كفاءة السياسات الاستثمارية والتجارية.
ويأتي ذلك في إطار توجه اقتصادي واضح يركز على تعظيم دور القطاع الخاص، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي، وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على النمو والتصدير، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات العالمية.
تحسين بيئة الأعمال عبر الرقمنة وتبسيط الإجراءات
يمثل تطوير بيئة الأعمال أحد المحاور الأساسية لتعزيز تدفق الاستثمارات، حيث تظل سرعة الإجراءات ووضوح القواعد التنظيمية من أهم العوامل المؤثرة في قرارات المستثمرين.
ومن هذا المنطلق، يبرز التحول نحو الرقمنة كأداة اقتصادية مهمة لتقليص التعقيدات الإدارية وتقليل التدخل البشري في الإجراءات المؤسسية ، كما أن تسريع إجراءات التراخيص والتعاملات الحكومية عبر الأنظمة الرقمية يسهم في خلق بيئة أعمال أكثر كفاءة وقابلية للتنبؤ، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين في السوق المصري.
كما أن تبسيط الإجراءات للشركات القائمة يمثل خطوة ضرورية لضمان استمرار توسعها وزيادة قدرتها الإنتاجية، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات الاستثمار والتشغيل داخل الاقتصاد.
سد فجوة الادخار والاستثمار لتعزيز النمو الاقتصادي
تعتمد قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مرتفعة على مستوى الاستثمار الكلي داخل الاقتصاد، حيث تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن تحقيق معدل نمو يتراوح بين 6% و6.5% يتطلب أن يصل معدل الاستثمار إلى نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي ، غير أن التحدي الهيكلي يتمثل في انخفاض معدل الادخار المحلي، الذي يدور حول 10% من الناتج المحلي، وهو ما يخلق فجوة تمويلية تقارب 15%.
وتعد هذه الفجوة أحد العوامل التي تزيد من أهمية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتطوير أدوات التمويل المختلفة ، كما أن تطوير منظومة البيانات الاقتصادية يمثل عاملاً مهماً في تحسين إدارة السياسات الاستثمارية، خاصة فيما يتعلق برصد الأرباح المعاد استثمارها داخل الشركات، والتي تمثل جزءاً مهماً من التدفقات الاستثمارية لكنها لا تظهر بدقة في البيانات المتاحة حالياً.
مرونة السوق وتقليل التدخل الإداري في قرارات الشركات
إن تعزيز كفاءة الأسواق يتطلب منح الشركات مساحة أكبر لاتخاذ قراراتها الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بعمليات الاندماج والاستحواذ وإعادة الهيكلة ، فالأسواق الحديثة تعتمد على المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية، وهو ما يساهم في تحسين كفاءة تخصيص الموارد داخل الاقتصاد.
وفي هذا الإطار، يصبح دور الجهات التنظيمية أكثر تركيزاً على تعزيز الإفصاح المالي والشفافية بدلاً من التدخل المباشر في القرارات التشغيلية للشركات، بما يحقق التوازن بين حرية السوق وضمان الاستقرار الاقتصادي.
استراتيجية تصديرية قائمة على الاستهداف الذكي للأسواق
رفع معدلات الصادرات يتطلب تبني سياسات تجارية أكثر دقة تعتمد على تحليل الأسواق الدولية وتحديد الفرص التصديرية الأكثر جدوى ، فالتوسع في الأسواق الخارجية لا يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل على فهم هيكل الطلب العالمي وطبيعة المنافسة في كل سوق.
ويأتي بناء خرائط تحليلية لأصحاب المصلحة في الأسواق الدولية كأحد الأدوات المهمة لفهم ديناميكيات التجارة العالمية، إلى جانب تطوير قواعد بيانات التجارة الخارجية بما يسمح بصياغة سياسات تصديرية أكثر فاعلية ، كما يسهم التحول الرقمي في خدمات دعم التصدير في توسيع استفادة الشركات المصرية من هذه الخدمات، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة.
صناديق رأس المال المخاطر ودعم نمو الشركات الناشئة
أصبحت ريادة الأعمال أحد الركائز الرئيسية للاقتصادات الحديثة، حيث تلعب الشركات الناشئة دوراً مهماً في خلق فرص العمل وتعزيز الابتكار ، غير أن التحدي الرئيسي الذي تواجهه هذه الشركات يتمثل في نقص التمويل في مراحل التوسع المختلفة.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء صناديق استثمار متخصصة في رأس المال المخاطر لتوفير التمويل اللازم للشركات الناشئة خلال مراحل نموها المختلفة ، كما أن إدراج هذه الصناديق في الأسواق المالية يمثل خطوة مهمة لتوسيع قاعدة المستثمرين ودعم منظومة الابتكار داخل الاقتصاد.
توسيع قاعدة الاستثمار لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة
إن تحقيق النمو الاقتصادي المستدام يتطلب توسيع قاعدة الاستثمار جغرافياً وقطاعياً، بحيث تمتد الفرص الاستثمارية إلى مختلف المحافظات والقطاعات الإنتاجية فتنويع مراكز النشاط الاقتصادي يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتعزيز مستويات الدخل في مختلف المناطق.
كما أن توطين الاستثمارات في المحافظات يعزز من قدرة الاقتصاد المحلي على النمو ويخلق منظومة إنتاجية أكثر توازناً، بما يساهم في تحقيق تنمية اقتصادية أكثر شمولاً واستدامة.
الإصلاح الاقتصادي القائم على التنفيذ والقياس
نجاح السياسات الاقتصادية لا يعتمد فقط على صياغة الاستراتيجيات، بل على القدرة على تنفيذها وقياس نتائجها بصورة مستمرة فالسياسات الاقتصادية الفعالة هي تلك التي يمكن تقييم أثرها بشكل دوري وتعديل مسارها عند الحاجة.
ومن ثم فإن تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري يتطلب الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات المؤسسية والتشريعية والتكنولوجية بصورة متكاملة، بما يخلق بيئة اقتصادية أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو مستدامة تدعم استقرار الاقتصاد الوطني وتحسن مستوى معيشة المواطنين.
دكتورة شيماء وجيه
خبيرة مصرفية





